- ضياف البراق
أقذر وأخطر العادات على الإطلاق، عادة الكذب. لماذا؟ ببساطة، لأنها تحوِّل الواقع العملي إلى هراء بحت، ومن ثم إلى عبث وفوضى، فتصبح الحياة بلا حركة إيجابية، بلا نفع أو معنى. إن عادة الكذب تفسد الأخلاق والضمير، والأخلاق الفاسدة تؤدي بلا شك إلى اندلاع مشكلات كثيرة، على الصعيدين، الفردي والجمعي، معًا. شخصيًا، أكذب أحيانًا، وبالأصح غالبًا، لكني لستُ أتعامل بالكذب في تلك المواقف الهامة والأمور الضرورية التي لا تحتمل الكذب ولا الغش. أمّا حياتنا، نحن العرب، كلها كذب بكذب. لهذا، فنحن نادرًا ما نحصل على الاستقرار، أو يندر أن ننجح ونزدهر في ميادين الحضارة الحديثة. قليلون جدًّا هم الذين يعيشون بصدق، في حياتهم الخاصة والعامة معًا، وهؤلاء هم الناجحون حقًا. عادة الكَذِب تُمارس عندنا ليل نهار، وفي كل مكان، حتى في المساجد والمدارس، بل في جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، والمجتمع الكاذب، أو المجتمع المأخوذ بثقافة الكذب، هو مجتمع مريض حدّ التعاسة والفشل، ولكنه على الرغم من ذلك يتباهى بحالته المَرَضية المهزومة، ظانًا منه أنه على حق أو صواب. إنّ جميع المُعامَلات والعلاقات، في هذه البلاد، محورها الكذب، وتتغذى بالكذب، أو تجري وتتم، دومًا، بحسب قواعد أو شروط كاذبة، بقصد أكان أو بعفوية. الصدق لا حضور له، إنه غير مُرِيح للنفوس الكاذبة، إنه مزعج بالنسبة لكثير من هؤلاء الناس المغلوبين، نفسيًا وعقليًا، وبالتالي، فإن الصادقين مِنّا، فهؤلاء دائمًا يتعرضون للكراهية أو التضييق أو العدوان. إننا كذّابون في أغلب ما نقول، وفي أغلب ما نفعل، ومع ذلك لا نستحي، بل نزهو فخرًا!
لا عجبَ، فنحن طبعًا نتربى منذُ البداية على الكذب، وعلى الغش، وأوهامنا بلا حصر، إلى درجة فظيعة أصبحنا معها غير قادرين على أن نكون صادقين حتى مع أنفسنا ولو قليلًا.
مجتمعنا لا يحب الصادقين على الإطلاق، إنه ينفر كثيرًا من كلمة الحق، كأن الحقيقة لا تخصه في شيء، الصدق هنا يزعزع راحة العوام، إنهم يعشقون الأشياء الزائفة والحقائق الوهمية أو الفارغة والكاذبة. لهذا السبب، الأصوات الجريئة الصادقة لا تُحترم إلّا من قلة من الناس المحترمين، ولا يتم التفاعل مع هذه الأصوات الرائعة إلا من أجل تكفيرها أو إسكاتها أو كسرها، وهكذا يجري الحال، عمومًا. ومن لا يكذب، لا يُفلِح في شيء! هكذا صار الكذب مصدرًا من مصادر سعادة أغلبية الناس. وأغلبية هذه المنابر الثقافية والسياسية إنما تكذب على مجتمعنا باستمرار، وتعلّمه الكذب، وهكذا يتم اللعب بعواطف وعقول الناس، لحتى يسهل على الاستغلاليين استغلال هؤلاء الناس المخدوعين بالكذب والأوهام!
كثيرٌ من تراثنا يعلّمنا الكذب والغش، إنه السبب الرئيس في كل هذا الفساد الذي يلف ويخنق حياتنا من جميع النواحي. إنّ ثقافة الكذب والغش هي التي جعلتنا بشرًا معاقين عن النمو والازدهار، وها نحن عاجزون عن التعايش مع بعضنا البعض، وكذلك مع الآخر الصادق، ولهذا أيضًا، فنحن متخلِّفون بمراحل عن المجتمعات المتقدمة التي لا تتعامل بالكذب والغش، وبكل تأكيد، لن نخرج من بين هذا الوحل الخانق ما لم نقلع بالكامل عن ثقافة الكذب والغش والعبث. وحدها الطاقات البشرية الصادقة هي التي تنجح في الحياة، فهذه بالطبع تنمو وتزدهر وتمضي قُدُمًا؛ لأنها بالفعل تستحق ذلك.




