- إبراهيم ناجي*
لطالما اعتبرت الحكومات تحقيق النمو الاقتصادي الهدف الأكبر لسياساتها وخططها، فتعقد المؤتمرات، وتطلق البرامج التنموية، وتضخ مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية، لكن النتائج في كثير من الأحيان تأتي أقل من التوقعات، ليظل الاقتصاد عالقاً في دائرة من النمو الهش، وتفاقم الديون، واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تفشل التنمية الاقتصادية رغم كل هذه الجهود؟
الحقيقة أن الفشل التنموي لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يبدأ كتآكل تدريجي داخل بنية الاقتصاد عندما يتم التركيز على أرقام النمو فقط، مع تجاهل جودة هذا النمو واستدامته. فالكثير من الدول تقع في فخ الاقتصاد الريعي، وتعتمد بصورة شبه كاملة على مورد واحد كالنفط أو الغاز، دون بناء قطاعات إنتاجية حقيقية قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. ومع الوقت تظهر آثار ما يعرف بـ”المرض الهولندي”، حيث ترتفع قيمة العملة بصورة غير واقعية، بينما تتراجع الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي لصالح الاستيراد والاستهلاك.
ولا يتوقف الخلل عند هذا الحد، بل يمتد إلى طريقة توجيه رأس المال والاستثمارات. فبعض الحكومات تركز على إنشاء مشاريع ضخمة ومظاهر عمرانية براقة كالمطارات والمدن الجديدة، دون وجود بيئة اقتصادية وتشغيلية قادرة على تحويل تلك المشاريع إلى أدوات إنتاج حقيقية. وبدلاً من أن تصبح هذه المشاريع محركات للنمو، تتحول إلى أصول جامدة تستنزف الموارد دون عائد اقتصادي مستدام.
ومن أبرز أسباب تعثر التنمية أيضاً ضعف الحوكمة وغياب الشفافية وتعقيد الإجراءات القانونية والإدارية، وهي عوامل تدفع المستثمرين إلى الهروب نحو أسواق أكثر استقراراً ووضوحاً. فالتنمية لا تزدهر في بيئة بيروقراطية خانقة، ولا يمكن للاقتصاد أن ينمو حين تتحول الدولة إلى منافس للقطاع الخاص بدلاً من أن تكون جهة تنظيم ودعم وتمكين.
وفي خضم التركيز على المشاريع والإنشاءات، غالباً ما يتم إهمال العنصر الأهم في أي عملية تنموية، وهو الإنسان. إذ لا يمكن بناء اقتصاد حديث دون استثمار حقيقي في التعليم والتأهيل المهني والرعاية الصحية. فالطرق الحديثة والموانئ المتطورة لا تصنع اقتصاداً قوياً إذا كانت سوق العمل تفتقر إلى الكفاءات القادرة على الابتكار والإنتاج والمنافسة.
وقد شهد العالم نماذج واضحة لهذه الإخفاقات، أبرزها ما عرف بـ”العقد المفقود” في أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات والتسعينيات، عندما توسعت الحكومات في الاقتراض الخارجي لتمويل مشاريع غير منتجة، ما أدى إلى أزمات ديون خانقة وانهيار اقتصادي واسع. كما ظهرت آثار الفشل في بعض برامج التقشف القاسية التي فرضت إصلاحات مالية دون مراعاة للواقع الاقتصادي والاجتماعي للدول، فكانت النتيجة ركوداً اقتصادياً واحتقاناً اجتماعياً بدلاً من التعافي والنمو.
في المقابل، فإن التنمية الاقتصادية الناجحة لا تقوم على العشوائية والانخراط في مجالات لايفقهها مريدوها، بل على بناء بيئة اقتصادية قادرة على خلق القيمة وتحفيز الإنتاج. ويتطلب ذلك إصلاحات تشريعية وقضائية تعزز الثقة وتحمي الاستثمار، إلى جانب الاستثمار الحقيقي في التعليم والمهارات، وتمكين القطاع الخاص ليقود عملية الإنتاج والتصدير والابتكار.
فالتنمية المستدامة ليست سباقاً نحو أرقام سريعة ومؤقتة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على بناء اقتصاد متنوع، وإنسان مؤهل، ومؤسسات قوية قادرة على تحويل الموارد إلى فرص حقيقية للنمو والاستقرار.
- خبير إقتصادي.




