- بقلم: منصور السروري
ليس من قبيل المصادفة المحضة أن يقودني شغفي المعهود قبل شهرين تقريباً على نحو لا إرادي عند تصفح اليوتيوب فإذا بي أمام ذكرى حزيران المنكسرة عام 1967.
وجدتني مأخوذاً بصوت كوكب الشرق، السيدة أم كلثوم، وهي تطلق من حنجرتها المذهبة صرخة الوجود الكبرى:
_ ابقَ فأنت السد الواقي
ثمة سر غامض في ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد غناء، بل كان قيثارة التاريخ العربي وهي تعيد ضبط إيقاع الأمة في لحظة انكسارها العظيم.
لقد رحل بي ذلك اللحن الشجي، ومعه كلمات تنبض بالثورة، إلى تخوم ذلك اليوم المشهود، التاسع من يونيو عام 1967، حينما توحد الراديو والتلفزيون ليعلنا بياناً لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل كان زلزالاً نفسياً وفلسفياً هز الوجدان المصيري للأمة.
في ذلك المساء، أطل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، بوجهٍ يحمل ملامح الكبرياء المجروح، ليقول كلماته الفلسفية النافذة: “لقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر.. إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم أنها الأمة العربية كلها، وليس جمال عبد الناصر”.
لم تكن هذه العبارات مجرد إعلان عن التنحي من قائد لشعبه وللشرق الأوسط والعالم أجمع؛ بل كانت مواجهة فلسفية مع الذات، وتفكيكاً لمفهوم الزعامة الفردية لإعادتها إلى أصلها الحقيقي: “الشعب”.
جاء هذا خطاب في أعقاب تلك الهزيمة القاسية في حرب الأيام الستة، التي استهدفت فيها الآلة الصهيونية المطارات المصرية والمواقع العسكرية في سيناء، باسطةً ظلال الاحتلال القاتمة حتى الضفة الشرقية لقناة السويس.
كانت تلك اللحظة الفاصلة بمثابة البرزخ التاريخي الذي كاد يقلب مسار الهوية المصرية، ويفصم عرى التلاحم الأسطوري بين القيادة الثورية والكتلة الشعبية.
وهنا تتبادر إلى ذهني ذكريات يمنية معتقة، رواها لي بعض الرواد الذين عاصروا تلك الحقبة في قاهرة المعز، وفي مقدمتهم فقيد الصحافة اليمنية الأستاذ محمد المساح، وغيره من المثقفين؛ إذ وصفوا لي كيف نزل الخبر صاعقةً هزت الأركان، وجعلت الشوارع تمور بذهول لا يوصف.
لكن الجماهير، في وعيها الفطري الجمعي، رفضت استدخال الهزيمة أو التخلي عن رمز كرامتها، فخرجت الملايين في طوفان بشري عارم وعفوي، لا لتدافع عن شخص ناصر فحسب، بل لتدافع عن حلمها القومي المهدد بالتبدد، وهي تهتف بملء الحناجر:
_ لا تتنحَّ.
_ حارب بمين يا ناصر.. حارب بينا.
هذا الحراك الجماهيري الفلسفي لم يقتصر على الشارع، بل وجد صداه العبقري لدى المبدعين المصريين، من مطربين وملحنين وشعراء، الذين تحولوا في لحظات إلى جنود في معركة الوعي، وكان أبرزهم صناع هذه المعجزة الفنية التي كنت أستمع إليها بإمعان كلي.
وحين كانت أم كلثوم تصدح بعبارة “ابقَ فأنت السد الواقي”، كانت المشاهد التاريخية تتجسد أمام عيني؛ وكأنني صرت جزءاً من تلك الجموع التي تجوب شوارع القاهرة والمدن العربية، رافعةً صور ناصر كأيقونة للمقاومة لا للانكسار.
ودفعني الفضول المعرفي للبحث عن كواليس هذه الأغنية، لأكتشف أنها ولدت في رحم المعاناة وفي وقت قياسي جداً تحت وطأة مشاعر جياشة هزت وجدان صناعها، لتبثها الإذاعة المصرية فوراً كبيان فني يطالب ناصر بالعدول عن قراره؛ مخاطبةً إياه بلغة جمعت بين عاطفة البنوة وقوة الإرادة السياسية، معيدةً صياغته كحصن أخير لحلم القومية العربية.
ابقَ فأنت السد الواقي.. ابقَ فأنت الأمل الباقي.
إن هذه الكلمات لم تكن صك غفران لهزيمة عسكرية، بل كانت إعلاناً ثقافياً بأن الشعوب قادرة على تجاوز عثرات السلاح إذا ما حافظت على كرامة الإرادة وتمسكت برمز وحدتها.
وليس من الغريب أن تأتي الأغنية معبرة بأصالة نادرة عن نبض الشارع؛ لأن كاتبها الشاعر صالح جودت كان واحداً من تلك الجماهير التي غمرت الميادين، والتقى صدقه مع عبقرية الموسيقار رياض السنباطي، وعظمة الصوت الكلثومي الفريد.
شكل هذا الثلاثي الإبداعي (الكلمة، واللحن، والصوت) ملحمة وطنية وثقافية تجلى فيها صدق الحب لناصر، وبراعة صياغة الوجدان في لحظة تاريخية حرجة.
ولعل تجلي السنباطي الفلسفي ظهر في تخليه عن الزخارف النغمية والتطريب المعتاد، عازفاً لحناً “تعبيرياً” جاداً ورصيناً، يمزج بين مرارة الهزيمة وعناد الإصرار، متكئاً على “النبرة الخطابية” القوية ليكون اللحن بمثابة “مانيفستو” أو بيان سياسي يناسب جلال الموقف وهيبة الحدث، وصرخة مقدسة تحث على الصمود وإعادة بناء الذات والجيش.
كلمات أغنية “حبيب الشعب” التي هيجت عندي الأشجان، وجعلتني غير قادر على مسايرة صوت السيدة وهي تنشدها على نحو جنائزي جعلني أتعثر بدموعي، وأكبو بغصة وحشرجات حنجرتي وكأني في زمن عبد الناصر، وليس في أبريل 2026.
قُـم واسمعهـا مِـن أعماقـي … فأنـا الشـعـب
ابقَ فأنت السـدُّ الواقـي … لمُنـى الشـعـب
ابقَ فأنتَ الأمـلُ الباقـي … لِغَـدِ الشـعـب
أنتَ الخيـرُ وأنتَ النـور
أنتَ الصـبـرُ علـى المـقـدور
أنتَ النـاصـرُ والمنصـور
ابقَ فأنتَ حبيـبُ الشـعـب
حبيـبُ الشـعـب.. دُم للشـعـب
قُـم إنَّـا جففنـا الـدمـعَ وتبسمنـا
قُـم إنَّـا أرهفنـا السمعَ وتعلّمنـا
قُـم إنَّـا وحّـدنـا الجمـعَ وتقدمنـا
قُـم للشـعـبِ وبـدِّد يأسَـه
واذكُـر غـدَهُ واطـرح أمسَـه
قُـم وادفعنـا بَعـدَ النكسـة
وارفَـع هامَـةَ هـذا الشـعـب
ابقَ فأنتَ حبيـبُ الشـعـب
حبيـبُ الشـعـب .. دُم للشـعـب
قُـم للهِ وقُـل للنـاسِ
كُـلَّ العـصـر
رغـمَ الجُـرحِ ومُـرِّ الكـأسِ
عاشـت مصـر
وغـداً سنـؤذنُ فـي النـاسِ طَلَعَ الفَجـر
وغـداً ستحـي الأجـراسُ يـومَ النصـر
قُـم إنَّـا أعددنـا العُـدَّة
قُـم إنَّـا أعليـنـا الوحـدة
فارسم أنتَ طريـقَ العودة
وتـقـدَّم يتبـعـكَ الشـعـب
ابقَ فأنتَ حبيـبُ الشـعـب
حبيـبُ الشـعـب .. دُم للشـعـب.
59 سنة على رحيل أيقونة المجد العربي، وعنوان الكرامة العربية وجمال عبد الناصر يتجدد فينا جيلاً بعد جيل.
بذلوا كل ما بوسعهم لكي يطمسوا مكانته وقيمته، ورمزيتته، وتاريخه فإذا به يتجدد كالسنوات والشهور والأيام رافضاً الفناء والتلاشي مثل الشمس تتجدد كل يوم ولا تبلى.
نور وسلام، ورحمة وسكينة على روح الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وليتغمده الله بواسع المغفرة والرضوان في علياء الخالدين.
والرحمة لروح كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، والموسيقار العبقري رياض السنباطي، والشاعر الملهم صالح جودت، ولكل أبطال وشهداء وأحرار ذلك الجيل الذي حوّل الانكسار إلى فاتحة للصمود في تاريخنا العربي والمصري المعاصر.
كتبت هذه المقالة يوم 14 نيسان أبريل المنصرم، ولكن أجلتها إلى هذا اليوم ليتناسب المقال مع المناسبة التي تصادف يومنا هذا الذكرى الـ 59 لتنحي ناصر عن منصبه.




