- د. أحمد مغلس
في موسكو، حيث تلفح قسوة الصقيع وجوه العابرين، انبعثت قبل عامين بارقة أمل يمنية خالصة… إذ تأسست الهيئة الإدارية للجالية اليمنية بموسكو لتكون سياجاً يلوذ به المغترب، وملاذاً دافئاً يجمع شتات القلوب المنفية عن وطنها المشحون بالوجع. عامان اثنان فقط كانا كافيين لتسطير ملحمة من التكافل الإنساني والعمل المؤسسي الرصين، أثبتت فيهما الهيئة الإدارية للجالية أن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة المعجزات من رحم العدم.
لقد انطلقت الجالية في ظل شح قاسٍ في الإمكانات، وافتقار حاد للموارد المالية والدعم اللوجستي، وبدلاً من أن تجد في السفارة اليمنية بموسكو راعياً يشد من أزرها ويذلل أمامها الصعاب، اصطدمت بجهودٍ معطلة وبيروقراطية سلبية حاولت في كثير من المحطات إعاقة هذا النهوض واختراق النسيج الإداري للجالية عبر قنوات شخصية والتفافية، هدمت أبجديات العمل المؤسسي.
غير أن هذه التحديات لم تزد الهيئة الإدارية، بقيادة الدكتور عبدالقادر الكناني ورفاقه الأجلاء في الهيئة الإدارية، إلا صلابة وإصراراً على المضي قدماً في أداء رسالتهم السامية، متمسكين بالعمل المؤسسي وحماية تماسك الجالية. ولم تكن تلك العرقلة وليدة الصدفة، بل كشفت المحطات عن استراتيجية إدارية مجحفة انتهجها السفير أحمد الوحيشي؛ إذ كان يسعى بوضوح إلى تحويل الجالية لـ”واجهة بديلة” تقوم بأعمال السفارة ومسؤولياتها الخدمية بتمويل ذاتي وجهود تطوعية كاملة من المغتربين والطلاب. ولم يكن هذا التمكين بهدف الشراكة، بل بهدف التواري خلف إنجازات هذا الكيان الوليد، ليقوم السفير لاحقاً برفع تلك النجاحات والمبادرات الإنسانية في تقارير دورية إلى وزارة الخارجية اليمنية، مدعياً أنها من منجزات السفارة وبجهود طاقمها الدبلوماسي.
ورغم هذا التجريف للحقوق، غدت الجالية حارساً أميناً للهوية الوطنية والدينية؛ إذ أحيت بجهودها الذاتية كافة الأعياد الدينية والوطنية. وقد تجسد هذا العطاء الإبداعي مؤخراً برحاب جامعة الطاقة بموسكو، حيث توجت الجالية مسيرتها بإقامة حفل مبهر بمناسبة عيد الوحدة اليمنية… حفل شهد له الجميع بروعة التنظيم وكثافة الحضور اليمني والعربي والروسي، في الوقت الذي تقاعست فيه السفارة عن القيام بواجبها واكتفت بالتمثيل الخجول لتقاسم منصة النجاح مع من صنعوا المنجز الحقيقي من قوتهم وجهدهم.
لقد تجاوزت الجالية دورها التقليدي كمنظمة مجتمع مدني لتحل مكان “البعثة الدبلوماسية الغائبة”، فغدت سفارة حقيقية للأفعال. وحيثما غابت المتابعة الرسمية، حضرت الجالية لتقف مع المحتجزين خلف القضبان، وتتابع قضايا العالقين، وتقدم العون المادي العاجل للمحتاجين. إن هذا النموذج الحي المشرق يؤكد أن مقدرة الإنسان اليمني على التنظيم والتضحية تظل عصية على الانكسار، وأن شرعية الجالية تُستمد من عمق التلاحم وبياض الأيادي التي تبني ولا تهدم، وتخدم ولا تكتسب.




