
- أنور العنسي
أكاد لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت أنني لم أعرف، في حياتي بطول عالمي الصاخب وعرضه، مثقفاً سياسياً أتقن فن أخذ الممكن من السياسة ما استطاع علي الجمرة، ولا قائداً إعلامياً بلغ من الاحتراف الصحفي في الإذاعة والتليفزيون أعلى درجاته لغةً ومنطقاً وأدباً مثل هذا الرجل، وهذا فضلاً عن إنجازاته في بناء مؤسسة الإعلام اليمني في بداياتها الأولى على أسس مهنيةٍ معاصرةٍ وتقنيةٍ حديثة.
أكثر ما استرعى انتباهي في (علي صالح الجمرة) تهذيبه العالي إلى الحد الذي يمكنني أن أقول معه دون مبالغة أنني تساءلت غير مرةٍ، في سنوات شبابي الأولى التي عملت خلالها في الإعلام الحكومي تحت رئاسته، من أين جاء هذا الرجل؟ وكيف ارتقى إلى هذا المستوى من الأدب والتهذيب وحسن الخصال حيث كلما ذهبت إليه غاضباً أو شاكياً حتى أطفأ نيران انفعالي بكلماتٍ حُسنى مبقياً إياي للجلوس في جانبٍ من مكتبه، وكان لهذا الجلوس دروسٌ ذات معنى، إذ كنت أتأمل في طريقة تعامله إلى المتشاكين إليه وكيف يستمع إليهم، فرادى أو مجتمعين، وكيفية كان يمكنه حل خلافاتهم بمودةٍ ليخرج بعدها المتخاصمون مسرورين ومتشابكي الأيدي.
بصراحةٍ وبما أصبح في ذمة التاريخ، عملت تحت إدارة الجمرة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون أزهى سنوات تجربتي المهنية، لم يكن الرجل خلالها يغار من علاقة الأدب والشعر مع رئيسه الصديق والوزير الراحل حسن اللوزي، بل أبعد من ذلك عدم غيرة الجمرة واللوزي معاً من علاقة القبول والاستحسان التي حظيت بهما من قبل الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بكل ما كان لها وعليها فجميعنا في المطاف نحاول بناء دولة.
منذ البداية التي اختار فيها الجمرة العمل الأكاديمي مروراً بإصرار الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي للعمل في الإعلام، رهاناً على كفاءته السياسية والإعلامية للعمل في إعلام الدولة ، وحتى اليوم الذي يمر فيه الجمرة بدواماتٍ من المرض، لا أزال أكن للجمرة فوق شغاف قلبي جبالاً من البَرَد !!




