- أحمد الزكري

عرفت الأخ بشير عثمان قبل أكثر من خمسة عشر عامًا في صنعاء؛ شاب هادئ، لطيف، حرص على أن يكون له نشاط سياسي ومدني إلى جانب مساره المهني. وقد غادر اليمن منذ سنوات للعيش في الولايات المتحدة أو غيرها.
لفت نظري مؤخرًا منشوراته على فيسبوك التي يهاجم فيها الإسلام. في البداية توقعت أن أجد فيه رؤى فكرية حديثة تناقش قضايا هامة سبق أن تناولها كثيرون بمناهج نقدية جادة، ووصلوا فيها إلى مستويات متقدمة، خصوصًا في “قضية المرأة”. لكني وجدت -مع الأسف- هجومًا متناقضًا لا يمكن مقارنته بما طرحه باحثون ونقاد حقيقيون، سواء كانوا ملحدين أو غيرهم.
اخترت “موضوع المرأة” مثالًا، فبدا لي فيه تناقض صارخ أردت إظهاره هنا، لعل الأخ بشير يجد فيه فائدة تصرف نظره عن الهجوم المتناقض، أو تدفعه للتفكير في جوهر الإسلام المغاير لما يبدو في واقع بعض المجتمعات، لأسباب ليس هنا مجال مناقشتها. كما أرجو أن يجد القارئ فائدة في ثنايا هذه السطور:
جوهر التناقض: الإسلام إيجابي وسلبي في آن
قرأت منشورات بشير المتفرقة عن المرأة في الإسلام، فلاحظت أنها تقوم على ركيزتين متناقضتين تمامًا:
الركيزة الأولى: الإسلام كمرجعية إيجابية
في منشوره عن أم المؤمنين عائشة، يستشهد بدورها القيادي في صدر الإسلام قائلًا:
“كانت عائشة تصنع خلفاء، وتعزل خلفاء، وترفض خلفاء… وفي عهد عمر، زاد نفوذها وقوتها، أصبحت مستشارة تشارك في أمور الدين أكثر من أي رجل آخر في يثرب”.
ثم يخلص إلى نتيجة واضحة:
“في تلك المرحلة المبكرة من الإسلام، لم تكن المرأة فتنة يجب تجنبها، أو ‘خدر’، أو عورة ناقصة عقل ودين”.
الكاتب هنا لا يتحدث عن امرأة عربية عمومًا، بل عن امرأة من صميم التجربة الإسلامية الأولى، تستمد مكانتها من كونها “أم المؤمنين” زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. إنه يستخدم “الإسلام” نفسه كشاهد على إمكانية تمكين المرأة.
الركيزة الثانية: الإسلام كمرجعية سلبية مطلقة
حين ننتقل إلى منشوراته الأخرى نجد خطابًا مناقضًا تمامًا، يقول:
“جرد الإسلام المرأة من كل شيء، وخصوصًا من حق القيادة”.
ويقول عن الشريعة:
“الشريعة الإسلامية، في نهاية المطاف تشريع غبي، يقود النساء نحو الانتحار، يظلمهن ويهينهن”.
ويصل إلى ذروة التعميم:
“لا احترام أو تقدير لها من أول آية إلى آخر حديث”.
هنا لا يتحدث عن “انحراف المسلمين” ولا عن “تفسيرات الفقهاء الذكورية”، بل يحدد المصدر بوضوح: “الإسلام”، “الشريعة”، “من أول آية إلى آخر حديث”. بمعنى أن الاتهام موجَّه إلى النص التأسيسي ذاته.
السؤال المنطقي:
إذا كان “الإسلام” بنصوصه هو المسؤول عن تجريد المرأة من كل شيء وإهانتها “من أول آية إلى آخر حديث”، فكيف استطاع هذا الإسلام نفسه، في مرحلته التأسيسية الأكثر التصاقًا بنصوصه، أن يُنتج نموذجًا قياديًا كعائشة التي يصفها كاتب المنشور بأنها “تصنع خلفاء وتعزل خلفاء”؟
التناقض المزدوج:
الإسلام كما يعترف به الكاتب قادر على إنتاج نماذج كعائشة، والإسلام كما يدّعي في الوقت نفسه نظام جوهري لإهانة المرأة.
هذا ليس تناقضًا عابرًا، بل خلل بنيوي في خطابه. فهو لم يقل مثلًا: “النص يحتمل تفسيرات متعددة، والفقهاء رجَّحوا التفسيرات الذكورية”. لو قال ذلك لكان نقدًا حقيقيًا. لكنه بدلًا من ذلك يمحو حقيقة أن عائشة “منتوج” هذا الإسلام الذي يصفه بـ”التشريع الغبي”. كيف ينتج “التشريع الغبي” أستاذة للمؤمنين يعود إليها كبار الصحابة ليفهموا دينهم؟
ويتضح الخلل أكثر في تعليقه على صورة قائدة الطائرة:
“الفارق الجوهري أن هؤلاء النسوة يعتمدن على العلم، بينما يعتمد حبيبنا المسلم على آيات وأحاديث محمد عن هريرة، والتي تجاوزها الزمن”.
هذه مقارنة غير منطقية تؤكد أن المسألة ليست بحثًا عن الحقيقة، بل عن أي ذريعة للهجوم.
النتيجة: إدانة لا نقد
بسبب هذا التناقض، يفقد خطاب الكاتب مصداقيته كـ”نقد فكري حداثي”، وينكشف كخطاب هجومي يستخدم المرأة أداة. الفرق بين النقد والصراخ أن الأول يبحث عن الفهم والتعقيد، بينما الثاني يبحث عن الإدانة المطلقة للخصم.
سؤال أخير للكاتب:
لو كان الإسلام، في جوهره ونصوصه، هو ما يصفه من إهانة وظلم للمرأة “من أول آية إلى آخر حديث”، فهل كان يمكن لعائشة أن تكون ما كانت عليه في “العصر الذهبي” الذي يتغنى به؟ أم أن وجودها ذاته هو الدليل الحي على أن المسألة أعقد وأعمق من تعميماته؟ تجاهل هذا السؤال في محتوى منشوراته ليس سوى اعتراف ضمني بأن الهدف لم يكن الفهم يومًا، بل البحث عن أي موضوع -حتى لو كان متناقضًا- لمهاجمة الإسلام، لا نقده.




