- عمار الأصبحي *

عيدك أبيٌ يا أبي
إنه تشرين يا أبي، نصف قرنٍ وأكثر على تلك الأيام التي أردتموها أن تكون بوابةً لغدٍ أجمل،
ولا شيء غير القهر والدم والوجع، وقلقٌ أسودُ تجمعت الأدلةُ ضده، يتأرجح على قافلةٍ حبلى بالفجائع.
لا أدري ماذا أقول لك؛
والأيام تمضي هكذا، وتعود لتمضي مجددًا،
فتعبر بنا عبثًا…
ونحن، كعادتنا، ننتظر ذاك الغد الذي لا يأتي.
نحتفل على مذبح انتحارنا الكبير،
ولا شيء غير التباسٍ مُرٍّ ينتابنا كجرحٍ غامض.
الأملُ عاطل، والناس يتقاتلون في الشارع بحثًا عن عمل.
ماذا عساني أن أقول، والأشياء تغيب في الأشياء، في تناقضٍ عنيف، والوقت يمرّ مريضًا، واللوحةُ جرح؟!
ها هي أصابعي تعضّني خجلًا، ومع ذلك سأكابر اليوم، لأني بحاجةٍ ماسّةٍ إليك…
إلى الابتهال إليك ومناجاتك يا أبي.
***
أبي، أيها الثائر الأبي، ها هو تشرين، هل لك أن تحدّثني عن الثورة، وعن العمليات الفدائية التي كنت تنفذها بشجاعة، وبمعية رفيقك الرجل المكتباتي الفقيد محمد سالم الشعبي، وآخرين؟
أن تتكلم عن نضالك من خلال المكتبة، ومحل الدراجات الهوائية (السياكل)، اللذين كنت تستخدمهما في توزيع المنشورات والأسلحة، إضافةً إلى تسهيل وتنفيذ الهجمات الفدائية.
لقد أخبرني أحد رفاقك بأنك كنت تضع المنشورات أو الأسلحة في صندوقٍ على الدراجة الهوائية، وتضع فوقها سمكًا غير طازج، للتشويش على النقاط العسكرية أثناء التفتيش.
بمجرد فتح الصندوق، تفوح رائحة كريهة تجعل العسكري الإنجليزي يتأفف منها ويأمر بعبور الدراجة، حتى يصل قائد الدراجة إلى هدفه!
لِمَ لم تخبرنا بهذه التفاصيل؟
وتتحدث عن رفاقك ومعاناتكم معًا في درب النضال والتحرر؟!
كل ما عرفته من سيرتك النضالية، أنك كنت ثائرًا وفدائيًا فذًّا، بشهادة الكثير من رفاقك،
ومع ذلك لم تنل ما تستحقه، غير تلك الإعانة الشهرية والمبلغ الحقير الذي كنت تستلمه من رعاية أسر الشهداء والمناضلين، وتوقفت منذ سنوات، بسبب توقفنا عن الحياة، وانشغالنا بالحرب والموت!
***
عيدٌ أبي يا أبي…
فكم أنا كثيرٌ بك اليوم: روحًا ودمًا ووجدانًا وفكرة.
لقد أدركتُ لماذا لم تكن تود الحديث معي كأحد فدائيي حرب التحرير وثورة أكتوبر؛
كنت تخشى من أي حديثٍ قد يُقلل – ربما – أو ينال من نُبل ما قدمتَه من واجبٍ مقدس
تجاه الأم الحنون “عدن”،
تلك المدينة التي احتضنتك منذ نعومة أظافرك.
سلامٌ عليك يا أبي،
لروحك المجد والخلود في الأعالي.
كل عامٍ وأنت حاضرٌ قامةً وقيمة،
كل عامٍ وأنت ثورةٌ مجيدة
تمنحني الكثير من الزهو والاعتداد،
رغم أنف الفقد وجرح الغياب.
- رئيس التحرير.




