- ضياف البراق
المهنة الوحيدة التي يتقنها مجتمعنا إلى حد كبير جدًّا، ويمارسها بشكل دائم، هي: الإتعاس. أجل، نتقن الإتعاس، لا غير.
آه! لو كنا من زمان نتقن مهنة إيجابية واحدة غير مهنة (الإتعاس)، لكنا
الآن نقف فرحين في مقدمة العالم، وليس محطمين في مؤخرته البشعة (أي
العالم)! ليتك، يا مجتمعنا التَعِس، تجرِّب أيَّ مهنة أخرى، ولو بسيطة، كأن
تمارس الحب بشكل يومي، أو تقرأ الكتب ساعة واحدة في اليوم، لا أكثر.
الإتعاس، عندنا، هو رياضة أساسية يومية يمارسها الجميعُ على نحو متصل، ويتألق فيها بحيويّة عالية النشاط.
نعم. لدى مجتمعنا وظيفة وجودية واحدة هي الإتعاس. وكأنه لم يُخلق إلا
ليتقن هذه “الوظيفة” القاتلة، ويؤديها عن جنون مقدس وبشتى الوسائل والطرق.
الإتعاس هو قضيتنا المركزية والوحيدة. قضية قذرة لا نستطيع إهمالها ولو لثانية واحدة.
أكرر: هذا مجتمعٌ جحيمي؛ لأنه لا يجيد إلا فلسفة “الإتعاس” وحسب. إذَن، هو
مجتمع سادي ومازوشي في آن. سادي إذ إنّه يسعى دائمًا لتعذيبك كي يلتذذ
ويستمتع بمشاهدة حالتك المزرية. ومازوشي إذ إنّه لا يستطيع أن يصرف أوقاته
دون أن يتلقى الإهانات القاسية، من هنا أو هناك، ليتلذذ بها وهو يتجرع من
كؤوسها المرارات تلو المرارات. هكذا، برأيي، يتحول الشخص، أو المجتمع،
عندما يُنزَع منه وجوده الداخلي، الأصل، والأهم. الحرمان المبكر ينزع منّا
الوجود، فنصبح فارغين تمامًا كعملات مزيفة، ونصبح كذلك بلا أجنحة بحيث لا
نستطيع أن نطير ولا نسافر ولا نتغيّر. بالحرمان، وفيه، ومعه، نصبح مجرد
آلات رمادية أو شبحية تتقاتل فيما بينها البين، باستمرار.
كل حرمان
يتلقاه المرء هو قتْلٌ بشع يستهدف وجوده العميق. الحرمان في معناه العميق
هو القتل. الحرمان وحده هو أسوأ ما يقتل إنسانية الإنسان ويسلبه سعادته
الداخلية والخارجية معًا!
طبعًا، مجتمعنا المسكين يعيش الحرمان المطلق منذ زمنٍ بعيد جدًّا جدًّا.
إنه يعيش كل ألوان الحرمان. لهذا، أصبح الإتعاس في مجتمعنا عبارة عن واجب
مقدس، أو عمل ضروري للغاية، إذ علينا، جميعًا، تأديته كل وقت، ولو بأي شكل.
إتعاسٌ متعدد الشكل والنوع، ترى الجميع يشتغل عليه في إخلاص شديد وحماسة
كبيرة، كما لو كان يمارس العبادات بل أكثر، فأكثر.
هناك إتعاس في كل
شيء. إتعاس في الحب، وإتعاس في الكلام، وإتعاس حتى في الحلم والضحك. كل
العلاقات القائمة في مجتمعنا هي إتعاسٌ محض. كلٌّ منّا إمًا يسعى إلى إتعاس
الآخر، أو إتعاس نفسه هو! لقد أصبح هذا “الإتعاس” وجبةً يوميّة شهية
يطبخها الجميعُ للجميع نفسه. أجل، جميعنا تعساء حتى الموت. أنا وقاتلي،
تعيسان. أنت وقاتلك، أيضًا تعيسان. هكذا، أصبحنا نغرق على الدوام في حالة
جحيميّة خالصة وعميقة معًا.
لماذا هذا الإتعاس، إذًا؟ بكل بساطة،
لأننا غير موجودين في الوجود. لا جود لنا على الإطلاق. لا يكون المرء ذا
وجود حقيقي أو موجودًا حقًا إذا كان يعيش في ظل غياب شبه تام للحرية. يا
لتعاستنا التي لا تطاق!
أجل، هناك إتعاسٌ كامل ومتكامل، غايته: الإتعاس، فقط فقط. ما هذه المأساوية اللعينة، يا عالَم؟!




