- عبدالكريم الرازحي
كان القاضي شاهر شخصاً في غاية الذكاء يميلُ بطبعه الى المرح ،ويمتلك حسا ساخرا تجاه الحياة . لكنه اشتهر بكونه مدرسة في النكاح .
وبحكم كونه قاضيا كان يتوكل للنسوان اللاتي يرغبن بالطلاق من ازواجهن المغتربين، وكان يعيب وينتقد اولئك الذين تزوجوا وغادروا القرية تاركين زوجاتهم ينتحبن فوق اسرّتهن من الوُحدة والوُحشة والبرد .
كان يزدري هؤلاء ويقول معترضا على سلوكهم :
- اذا كان نيّتهم يغتربوا ويسافروا ليش عاد تزوجوا وتظلّموا ببنات الناس !!
وكان يرد قائلاعلى كل من يدافع عنهم ويبرر رحيلهم وغيابهم لسنوات : - نحنا مسلمين مانحناش نصارى ..النصراني حتى لوسافر وغاب يسافر ويغيب وهو راكن وعارف بأن هناك من سيقوم بالواجب في غيابه .
والمراة النصرانية لوغلبتها شهوتها اثناء سفر زوجها لاتستحي ان تذهب وتطلب من جارها ان ينوب عن زوجها الغائب.
اما عندنا نحنا المسلمين فمافيش حل امام المراة اللي غاب زوجها وغلبتها شهوتها ونفذ صبرها غير ان تطلب الطلاق.
وكثيراماكان يحرّض نساء المغتربين ضد ازواجهن ويقول لهن : - هم يسافروا ويشبعوا شهواتهم مع الكافرات وانتن هنا مراعيات وصابرات .
كان البعض يلومه قائلا :
-حرام ياقاضي شاهر تشجع النسوان على الطلاق وانت قاضي وعارف بان ابغض الحلال عند الله الطلاق.
وكان يرد على هؤلاء الذين يلومونه بالقول : - الحرام هو ان تتزوج بنت الناس وتتركها تنام لوحدها في الفراش .
كان مع هجرة الشباب العُزّاب وضد هجرة المتزوجين وكان يدافع عن حق المراة في ان تعيش مع زوجها وتتقاسم معه الحلو والمر والفراش
وكثيرا ماكان يقول : الفراش يُكمِّل مانقص
وحين يسألونه عما يقصده بقوله : “الفراش يكمِّل مانقص”؟ يقول : - المراة التي تشكو وتتذمر من نقص في الاشياء الضرورية اوغير الضرورية وزوجها موجود تجد في الفراش الدافئ مايكمل النقص
اما المراة التي تنام لوحدها في الفراش لن تجد مايعوّضها عن برودة فراشها ولو كساها زوجها المغترب بالذهب .
وعندما وقع نظره على نُجُوم زوجة المغترب امين السافع ادرك للفور بان امرأةً مثلها لايمكنها ان تصبر على غياب زوجها اكثر من عام اوعامين بالكثير .
كانت جميلة تطفحُ أُنوثةً وفيها شبقٌ يلوحُ في تقاسيم وجهها ،وفي كلامها حين تتكلم، وفي خطواتها وهي تمشي.. ولشدة ماأُعجب بها راح يغريها بالطلاق ويبدي استعداده ان يتوكل لها من دون ان ياخذمنهاأجرة اتعابه .لكنها كانت تصدُّه ،وتقول لهُ بانها تحب زوجها امين السافع ،وستظل تنتظر ه الى ان يعود .
وذات يوم جاءت الى القاضي شاهر ليقرا لها رسالة وصلتها من زوجها وحين انتهى من قراءة الرسالة سالته نجوم قائلة :
- أوْلَاياقاضي !!ماذكرش امين بالرسالةأيحين ناوي يرجع !!
قال لها القاضي المفتون بجمالها وبانوثتها وبفمها الشهواني : - مو شرجع يعمل !! الحبشة جنة .. فيها السمن والعسل والقات واللحم.. وفيها البنات اشكال والوان ..والواحد لومايوصل الحبشة ينسى امه ، وينسى دينه وملته، وماعاد يشتي يرجع .
قالت له نجوم وقدامتقع وجهها من الرعب: - كيف نسى وهو يذكرني ويرسل لي رسائل ومصروف !!
قال لها وهو يضحك ضحكة ذات مغزى : - يذكرك برسالة و بمصروف على شان تحرسي له بيته وتوبهي لأرضه لكن رجعةْ مويرجِّعه!! ولو رجع شرجع لك بعد ضياع شبابك .
ويومها خرجت نجوم من بيت القاضي شاهر وهي مطفأةً ومحبطةً وغاضبةً من زوجها امين السافع وقالت تدعو عليه امام امهانُعْم صالح : - خمس سنين وهو ضايع الله يضيِّعه
خمس سنين ولاحتى ذكر بالرسالة ايحين شرجع !! الله لارجَّعه .
وقالت لامها بانها سوف توكّل القاضي شاهر من اجل الطلاق ولن تنتظر اكثر
وعرفت امها بأن القاضي شاهر هو الذي غرس في راسها فكرة الطلاق فراحت تنصحها بالصبر قائلة : - اصبري يانجوم يابنتي قد صبرتي الكثير باقي القليل
قالت نجوم ترد على امها : خمس سنين صابر يمـّا وتقولي لي اصبري !!
قالت امها : يابنتي زوجك سافر يشقِي
قالت نجوم : شقُّوا بطنه لمو سافر يشقي!! موني جيعان مالقيتوش الاكل !!
وراحت امها تحاول ثنيها عن قرارها وتقول لها : - يابنتي يانجوم لاتصدقي القاضي شاهر القاضي شاهر يوسوس لك بالطلاق ويطرِّهْلِكْ* على شان يتزوجك .
قالت نجوم وقد استفزها كلام امها: وموفيها يمّالوتزوجني !!
قالت لها امها : يابنتي القاضي شاهر مزوج بثلاث نسوان !!
قالت نجوم : موفيها !!الشرع يمّا رخص له باربع
قالت امها : يابنتي القاضي شاهر يضرب نسوانه
قالت نجوم : داري يمّا انه يضربهن لكن رجّال يريِّحهن ويحبّلهن من اول ليلة .
وكان القاضي شاهر قد اشتهر بضرب زوجاته وبدعوته الى ضرب الزوجات وكانت له نظرية تتمحور حول النساء ملخصها ان النساء” اجسام شهوانية لايعقِلْنَ، واذا خاصمنَ لا يسامحنَ، واذا سامحنَ يسامحنَ اثنا ء الجماع وهن في غيبةٍ عن وعيهنّ”.
كان ينصح الشباب المتزوجين حديثا ويقول لهم :
-“لو عصينَكم ،اورفعنَ اصواتهنّ ،اواسأنَ ادبهنّ، واظهرنَ اعوِجَاجَا في سلوكهن فعليكم بضربهنّ ضرباً موجعاً في مؤخراتهنّ حتى اذا تألمنَ منكم وحنقنَ جرُّوهنّ الى الفراش واعلموا بان الجماع يجُبُّ ماقبله “
كان قد اشتهر في ايام شبابه بحبه لليهودية راحِيْل بنت يحي هارون تاجر الجلود.
احبها واحبته وكان ان راح حبهما ينمو ويكبر امام عيون اهل القرية من المسلمين واليهود الذين توحّدوا في استنكار وادانة حبهما وكانوا على وشك ان يئدوه لولاالدرويش عبد الحق الذي وجد في حبهما دليلا على صحة دينه ” دين الحب “ووقف يشجعهما ويشد من ازرهما ويقول لهما : - ” الحب دين فوق جميع الاديان “
وقال وقد اشفق عليهما من عاصفة الكراهية : - “حبكما هو الحق وكراهيتهم باطلة “
وكانت كلماته ترفع من معنوياتهما وتجعلهما يستشرسان في مواجهة العاصفة التي كادت تقتلع شجيرة حبهما الصغيرة الغضّة .
و لم يكتف الدرويش عبد الحق بالوقوف الى جانبهما بكلماته عن الحب، وانما تنازل لهما عن مغارته في جبل الريح .وهي مغارة محجوبة باشجار القرض، ولها ممرٌ خفيٌ لايعرفه سواه وكانت بمثابة معتزل له. لكنه وقد اكتشفها صدفةً اثناء تجواله راح ينحتها من الداخل، ويزخرفها ،ويضفي عليها شيئاً من الروحانية، ومن جمال روحه، حتى ان العاشقَيْن الملعُونَيْن وهما يدلفان اليها لم يصدقا بأن هذا الدرويش الذي يجوبُ القرى بأسمالٍ باليةٍ هو من نحت وزخرف وجعل منها آية في الجمال .
قال لهما وهو يودعهما : - حافظا على الكنز ولاتسمحا لأحدٍ يسرقه منكما
قالا له وهما مستغربان من كلامه : - اين هو الكنز ؟
قال : حبكما هو الكنز
و الى مغارة الدرويش عبد الحق كان العاشقان الملعونان يهربان بحبهما وفيها يلهوان، ويضحكان، ويشعران بانهما متفوقان بالحب على اهل القرية الذين راحوا يجاهرون بكراهيتهم لهما، ويعلنون عليهماالحرب.
ومع انهما كانا في المغارة لوحدهما الاانهما كانا بريئين مثل آدم وحواء قبل ان يُطردا من الجنةو كانت الملامسات والقبلات هي فاكهتهما الحلال ولم يكن ثمة وجود لإبليس في جنة حبهما حتى يغويهما بطلوع “البَلَسَة ” واكل ثمرتها المحرمة.
قالت له راحيل يوما وهو يمتص عسل شفتيها ويعتصربيده نهديها : - تحبني ياشاهر ؟
قال لها وقد تفاجأ بسؤالها : - لولم اكن احبك لماتحدّيتُ اسرتي واهلي وابناء قريتي.
وراح يحدثها عن كراهية اهل القرية له وعن الفقيه سعيد الذي يحرضهم ضده وقال لها بان اطفال القرية عندما يرونه يجرون خلفه وهم يصرخون باعلى اصواتهم : - شاهر تِيَهْوَد
قاهُوْ يهودي
شوكهْ بعينُهْ
بالطِّيْز عُوْدِي
وكانت راحيل على وشك ان تضحك لكنها كتمت ضحكتها واجّلتها وقالت له وقد تالمت لمعاناته بانها هي الاخرى تعاني من كراهية اهلها حتى ان امها حين تناديها لم تعد تناديها باسمها وانما تصرخ فيها قائلة :
- يابنت ياملعونة
اماجاراتها وخالاتها وعمّاتها فكن يشِحْنَ بوجوههنّ عنها حين تمر امامهن فلايكلِّمنها ولايردُدْنَ على كلامها وسلامها إن هي كلمتهنّ او سلّمت عليهنّ. وزادت فقالت بان صديقاتها يبصقنَ في الارض عندمرورها تعبيراً عن احتقارهنّ لها لكنها اخبرته بانها لم تعد تكترثُ او تتألّم من كراهية اليهوديات لها ومن صُنوف الأذى الذي يطالها بسبب حبها له .
وحين سالها عن السبب قالت : - من اول كنتو ازعل من كلامهن واحزن وابكي لكن بعدما سمعت الدرويش عبد الحق يقول :
- “العشاق سلاطين” قلتو لمو اوجِع قلبي واني سلطانة وحبيبي شاهر سلطان .
قالت ذلك وراحت تضحك من قلبها .
وسالها شاهر عن سبب ضحكها؟فقالت : - اضحك علوك وانت تجري والجهال يجروا بعدك ويصيحوا :
- شاهر تِيَهْود
قاهُوْ يهودي
شوكهْ بعينُهْ
بالطِّيز عُوْدِي
قال لها شاهر وهو يتجاوب مع ضحكها بانه وهو طفل كان مثلهم وكان كلما ابصر يهودياً راح مع بقية اطفال القرية يجرون خلفه وهم يصرخون : - “يهودي يهودي ماذِلّتُه
طاروا الشَّحَاطِر لاجَحْوَتُه”
قالت له وقد انطفأت ضحكتها :
- لمو انتم المسلمين تكرهونِحْنا مو عملنا بكم ؟
قال لها :نحنا نكره اليهود لكن نحب اليهوديات
يتبع ..
- يِطَرِّهْلِك:يشجعك




