- منصور السروري
(1)
هناك حيث تتقاسم الجبال في سامع مع الناس شظف العيش كانت الحياة تمضي رتيبة حتى تعكرت بأنفاس “صفية” المثقلة، ولم يعد لسان حال القرية سوى:
_ صفية بنت محمد سيف تعبانة زيادة.
في غرفة ضيقة، تفوح منها رائحة فقر عتيق ورطوبة تراكمت عبر السنين، توقف الزمن كلية عند حدود جسد “صفية” الصغير، تلك الطفلة التي كانت تختزل براءتها كل أحلام والديها البسيطة.
جاءت جارتهم لمعايدة صفية، ولم تمكث طويلاً، وفاجأت محمداً بمد مبلغ بسيط من المال قائلة له:
_ لو كان معي أكثر كنت سأعطيكم كله… لكن هذا الذي معي… اسعفوا صفية الصباح ولا تجلسوا تتفرجوا لها.
وبصمت مرير مد محمد يده لأخذ المبلغ تاركاً دموعه تعبر عن امتنانه لهذا الموقف.
_ هل كنت سأتأخر عن إسعافها لو كان طرفي ريالاً واحداً…. بذلك رد وانهمر باكياً.
لم تكن ابنة الأربعة أعوام تدرك أن حرارة جسدها التي ارتفعت فجأة هي مطلع مرثية سيكتبها الوجع على جدران المشافي الباردة.
لم يكن الأنين الذي يصدر من حنجرتها مجرد صوت لمرض عابر، بل كان نشيجاً كونياً يمزق نياط قلب والدها، محمد سيف الذي كان يجلس بجوارها كحارس لمملكة منهارة، يراقب كل زفرة تخرج من صدرها كأنها الأخيرة.
كانت جدران الغرفة تضيق على أنفاسه وهو يراقب ابنته تذبل أمام عينيه، وكان ضوء المصباح الشاحب يلقي بظلاله المتأرجحة على ملامحه التي حفرتها سنين الشقاء والبحث عن لقمة العيش المريرة في محافظة تطحنها الحرب بلا هوادة.
يتذكر والدها تلك اللحظة التي ولدت فيها صفية، وكيف أضاءت عيناها عتمة بيته المتواضع، وكيف كان يرى فيها تعويضاً إلهياً عن كل انكساراته وخيباته في هذه الحياة.
كانت بالنسبة إليه ليست مجرد طفلة من لحم ودم، بل كانت “الوعد” بالفرح الذي تأخر كثيراً، والقصيدة التي لم يكتبها بعد، والأمل الذي يتكئ عليه في شيخوخته.
كانت الحمى تستعر في عروقها كبركان يغلي لا يهدأ، تحول لون بشرتها الرقيقة إلى وهج قرمزي مخيف، بينما كانت الأم، تبلل أطراف قماطها بالماء البارد الذي تجلبه من إناء فخاري في الزاوية.
تهمس أمها بآيات من القرآن الكريم بصوت مخنوق، وتمسح بيديها المرتجفتين جبين الطفلة الملتهب، بينما تنهمر دموعها بصمت يختلط بماء الكمادات الباردة، وكأنها تحاول غسل الألم بدموع الأمومة المنكسرة.
نظر الأب إلى طفلته، وشعر بغصة مريرة تخنق أنفاسه؛ فقد كان يرى في عينيها الذابلتين رحيل زهرة قبل أوان تفتحها، وشعر بقلبه يرجف مع كل شهيق ثقيل تجذبه صفية من هواء الغرفة الخانق.
_ تقول هل ستتحسن ؟ تهمس الأم متسائلة بصوت متهدج، وهي تحاول أن تستشف من وجهه بصيصاً من الطمأنينة التي لم تعد تملكها، وعيناها تتوسلان إليه ليقول “نعم”، ليعطيها كذبة بيضاء تنام عليها لدقائق.
رد الأب وعيناه معلقتان بالسماء عبر كوة صغيرة في أعلى الجدار، يصارع دموع العجز التي تكاد تنفجر من محاجرها:
_ إن شاء الله أول ما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود سأحملها إلى مستشفى النشمة الريفي.
يجتر نهدة ثقيلة ويستطرد:
_ هناك لن يتركوها تتألم، يقولون إنه مشفى تطور كثيراً، ويقدم خدمات تعاونية.. كان يحاول إقناع نفسه قبل إقناعها،
كانت صفية ملتحفة بقماط قماشي أبيض، بدا في عتمة تلك الليلة الشاحبة وكأنه كفن مسبق الصنع، ينتظر لحظة الوداع بصمت جنائزي مهيب يلف المكان.
قضى الوالدان ليلتهما في حراسة مقدسة على بوابات الألم، يتبادلان نظرات العجز التي تفوق كل ألسنة الدنيا تعبيراً عن القهر الإنساني.
لم يكن في صيدلية المنزل الخاوية ما يسكن روع الحمى، ولا حتى حبة مسكن واحدة تبقت من أوجاع سابقة، ولم يكن في جيب الأب ما يكفي لشراء معجزة من صيدلية القرية.
بات الأب يحصي نبضات قلب طفلته بدموعه، منتظراً خيوط الفجر الأولى كغريق يبحث عن قشة وسط محيط هائج من الظلام والنسيان والفقر.
(2)
بينما كان الأب يقاسم الطيور ضوء البكور من النافذة، وخيوط الضوء تكاد تنسل خجلة من وراء جبل الصلو ينهض واقفاً وهو يخاطب أمها المخضلة بالدموع على وجهها:
_ يا الله… بسم الله الرحمن الرحيم.. لفي بطانيتها عليها.
وبين ذراعيها، وصدرها احتضنتها أمها بقلب مخفوق كمن يحمل آخر قطعة من روحه المبعثرة توشك على الضياع.
عندما اندلقا خارجين من البيت لم يحسا بنسمات الفجر الباردة وهي تلسع وجهيهما المرهقين أخذا يحثان الخطى وهما لا يشعران ببرد الجو، خاصة أمها التي كان جسد صفية المشتعل كالجمر بين يديها هو كل ما تشعر به في هذا الوجود.
ينطلقان مهرولين في أزقة القرية المتربة، منكسري القامة رغم ثقل الهم الذي تنوء به الجبال، متجهين بخطى متعثرة نحو مفرق النقيل الذي تلتقي عنده السيارات القادمة من قرى سامع، وتتجه صوب مديرية المواسط.
ولأن الوقت كان مبكراً لم تمر أي سيارة، فانتظرا ما يقارب ساعة كانت كأنها دهر.
فجأة تقترب دراجة نارية منهم.. تتوقف قدامهما:
_ أنت إرجعي .. وانتبهي للبيت والأولاد، وأ ن شاء الله سنكون عندكم بعد الظهر، وإن عاكسنا الحظ ولم نجد مواصلات سنتأخر بالكثير إلى المغرب او المساء… في رعاية.
لم يكن قلب أم صفية يطاوعها تركها تذهب إلى مدينة النشمة وحدها مع أبيها لولا أن محمداً أصر على أن يستقل الدراجة إلى سوق العين، وحال كان الذي وقف سيارة وليس دراجة لكانت قفزت إلى داخل السيارة قبله.
جلس محمد خلف سائق الدراجة، وتناول صفية من بين يدي أمها التي كانت تبكي بكل الحرقة، والألم، وقبل أن تهم الدراجة بالحركة:
_ قبلت صفية قبلة طويلة، وهي تنتزع فمها من خد الصغيرة، مسحت على رقبة زوجها وقتلت:
_ بنتي أمانتك يا محمد… انتبه لها.
_ لا تقلقي… يا الله مع السلامة.
_ وداعة الله الذي لا تضيع ودائعه.
دارت عجلة الدراجة ببطء ثم على نحو أخف، وانطلقت في منعطفات طريق الجبل الوعرة.
بقت الأم مستمرة في مفرق الطرق حتى اختفت الدراجة عن الأنظار.
عند الساعة الثامنة كانت الدراجة قد وصلت إلى سوق العين.
ترجل محمد سيف حسن بجسده النحيل يرتجف خوفاً على ابنته التي كانت تذبل بين يديه كزهرة في مهب ريح سموم.
لم ينتظر كثيراً في سوق العين إذ سرعان ما استقل حافلة ركاب صغيرة متجهة إلى سوق الأحد.
ومن سوق الأحد التابع لعزلة الشعوبة يستقل حافلة أخرى إلى مدينة النشمة.
عند الساعة التاسعة إلا ربع يترجل من الحافلة قبالة مستشفى النشمة الريفي.
يلج المستشفى… ثمة طوابير هنا، وهناك بقسم الطوارئ.
يقطع سنداً من المختص، دافعاً رسوماً رمزية مقابل المعاينة.
ويأخذ دوره في الطابور.
ثمة ممرضة توقفت أمامه، وسألته:
_ ايش فيها…؟
_ حمى منذ عدة أيام….
_ من أي قرية أنت..؟
_ من قرية بسامع.
_ وأتيت بها من سامع..؟
_ نعم يا أختي… الله يحفظك ساعديني أوصل إلى الطبيب… لأن حالتها تزداد سوء.
_ ولا يهمك… كن جاهزا… أول ما يخرج الذي داخل ستدخل البنت… آيش اسمها..
_ صفية….
في مستشفى “النشمة” الريفي، كانت الإمكانيات أضعف من أن تواجه الوحش الذي يسكن دم الصبية الصغيرة.
بعد فحوصات سريعة ووجوه واجمة من الكادر الطبي، جاء الخبر كوقع الصاعقة على رأس الأب المكلوم.
قيل له باقتضاب يملؤه العجز:
_ ابنتك تعاني من تكسر حاد ومفاجئ في الدم، وحالتها لم تعد تحتمل الانتظار، انطلق بها إلى المدينة فوراً… انتظر حتى تكمل المغذية التي أسعفناها بها، وتحرك إلى تعز.
لم يملك محمد ترف السؤال أو البكاء، بل انتظر انتهاء المغذية التي ركبت لها كإنعاش أولي لحالتها، ثم حزم ما تبقى من أمل في قلبه، وحمل جسد صفية الذي بدأ يبرد رغم الحمى، منطلقاً نحو المدينة المحاصرة.
كانت الشمس تقترب من كبد السماء، والحرارة قد شرعت بالارتفاع تدريجياً.
سار من مستشفى النشمة الريفي حتى موقف فرزة مدينة تعز، وتواً استقل واحدة من الحافلات المتجهة إلى المدينة.
(3)
عندما وصل إلى جولة الصقر ببير باشا كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراً، ترجل من الحافلة، وسار على قدميه من جولة الصقر حتى جولة بير باشا المتفرعة من الشارع الرئيسي الذي يقسم المدينة إلى قسمين ويعد امتداداً لشارع جمال.
الزحمة كانت على أشدها، وحرارة الظهيرة في أوجها.
مكث أكثر من نصف ساعة ينتظر باصاً يستقله إلى مستشفى الثورة، ولما يئس قرر أن يستأجر باصاً أو تاكسي أجرة كي يلحق بالمستشفى قبل انصراف الدوام الرسمي.
كان المبلغ الذي طلب منه كبيراً، والباصات تتجنب الذهاب إلى المستشفى بسبب زحمة السير في هكذا وقت، فاضطر إزاء ذلك إلى أن يستقل إحدى الحافلات المتجهة إلى جولة التحرير بشارع جمال.
ومن هناك استقل حافلة أخرى إلى مستشفى الثورة.
شعر محمد عندما كانت الحافلة تتجه ناحية المشفى بأن المدينة التي تئن تحت وطأة الحرب لا تختلف عنه كثيراً، وكأنه مثلها يحس بحصار من نوع آخر، حصار البيروقراطية وجفاء المؤسسات.
يصل إلى أعتاب مستشفى “الثورة” العام، يرجو أن يجد هناك ملاذاً، لكن الرد جاء جافاً كجدران الممرات التي لفحتها السنين.
_ لا نستطيع استقبال الحالة..إذهب بها إلى المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة، فهو المركز المرجعي والمتخصص لمثل هذه الحالات الحرجة”.
لم يعترض محمد، ولم يملك وقتاً للمجادلة، فحمل طفلته التي بدأت عيناها تغيبان عن الوعي، وهرع ناحية الشارع مستقلاً دراجة نارية صوب النقطة الرابعة.
والدراجة تجتاز الشوارع الخلفية لاختصار المسافة والوقت حس بانزياح زهيد من الغم والفزع، وهو يتذكر المستشفى اليمني السويدي كصرح للرحمة الدولية.
مستشفى بني من أجل أمثالنا الذين لا يملكون ثمن الدواء في الصيدليات الكبرى.
ولم يتطرق إلى باله أن قوانين الجباية والخصخصة المقيتة قد غزت المشفى، ولوثته.
_ إصبري قليلاً يا حبيبتي… تحملي على شان أمك… بقي القليل وسوف تنالين العلاج الذي سيعيدك إلى القرية تمشي على قدميك.
يجول بخلده أن المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة ما يزال قبلة الحياة، ومحراب الفقراء الأخير.
إنه الصرح الذي أهدته مملكة السويد لليمن قبل نصف قرن ليعنى بالضعفاء مجاناً، وبقي شاهداً على زمن مر من هنا، وانقضى كانت فيه الصحة حقاً إنسانياً لا سلعة تجارية.
يسير وهو يمني نفسه بأمنيات تتوالد داخل مخيلته في أن هذا المشفى ما زال عصياً على يد العبث، والفوضى.
يخطو… يتذكر حكايات قديمة لطالما سمعها من والده عن رحمة هذا المكان، وكيف كان الأطباء فيه ملائكة يداوون النساء، والأطفال دون مقابل..؟
كيف كان يفتح ذراعيه لكل غريب وفقير..؟
ما لم يدركه الأب المكلوم، هو أن ملامح الرحمة قد تبدلت خلف تلك الجدران المتهالكة منذ أكثر من عقد ونصف العقد، وتحديداً منذ أن رفعت الدولة يدها عن تقديم الدعم الصحي الشامل.
ورغم معرفته بالواقع إلا أنه في تلك اللحظات التي كان يحمل صفية في حضنه، ويوشك أن يصل إلى المشفى يطرد كل فكرة تحاول أن تخالجه بأن الإنسانية المجانية قد تحولت إلى صفقات تجارية تُقاس بالريال، والدولار، وأن المستشفى صار خاضعاً لمنطق الخصخصة الخبيث الذي لا يعرف قلباً، ولا يشعر بوجع.
لم يكن يعرف أن قسم الطوارئ الذي يُفترض أن يبقى ملاذاً آمناً على مدار الساعة، صار هو الآخر لا يستقبل أي حالات عدا فترة الدوام الرسمي المحددة، وكأن على ملك الموت الانتظار خلف البوابة حتى يحضر جميع العاملين بالمستشفى، بل وكأنه يجب على الأطفال أن يضبطوا نبض أوجاعهم وفقاً لساعة الدوام الإداري المملة.
عندما وصل الأب إلى البوابة الرئيسية وجد الزحام يلف المكان بأمواج بشرية تائهة، وجوهها شاحبة تماماً تشبه شحوب وجهه العابس.
ظل يربت على جسد صفية، وبصوت مخنوق يغالب العبرات يهمس:
اصبري يا صغيرتي .. وصلنا إلى بيت الرحمة .. إن شاء الله سيعالجونكِ.
(4)
داخل أروقة الطوارئ، تنبعث الرائحة ممزوجة من المعقمات الحادة، وأنفاس المقهورين الذين يفترشون الأرض بانتظار دور قد لا يأتي أبداً.
توضع صفية في غرفة عادية فوق سرير المعاينة البارد كإجراء أولي، وسرعان ما تحلق حولها الأطباء، وبعد نظرة سريعة لم تتجاوز ثوانٍ نظرة جافة خلت من أي تعاطف لكأنها مجرد رقم في سجل.
يتبادل الأطباء نظرات القلق، ويشخص مدير المستشفى الخطر المحدق بوضوح تام، وهنا يتدخل الطبيب على محمد وبنبرة تحمل حدة الموقف كمن اعتادت على رؤية الموت انبرى قائلاً:
— يا محمد، ابنتك تحتاج إلى عناية مركزة فوراً، كل ثانية تمر مثل الرصاصة نحو حياتها، لا يوجد وقت نضيعه..!”
في تلك اللحظة، ظن محمد أن النجاة بدأت، لكنه لم يدرك أن “تذكرة العبور” إلى تلك الغرفة المنقذة لها ثمن لا يملكه.
_ هل تفهم الحالة حرجة جداً .. يجب إدخالها العناية المركزة فوراً دون تأخير… الدكتور مكررا الكلام إليه.
يتنفس الصعداء للحظة ظاناً النجاة قد بدأت فعلاً:
_ افعل ما تراه مناسباً يا دكتور، المهم أن تنقذها، خذ من عمري وأعطها.
وهنا يقترب موظف الذي كان واقفاً بالجوار بيده اليمنى دفتراً صغيراً، وبين أصابعه اليسرى قلماً، وسأله:
_ الاسم من فضلك..؟
_ …….
وبسرعة كتب الاسم، وأرقام تحته، ثم نزع السند من الدفتر، وببرود يذبح ما تبقى من أمل قال:
_ اذهب بسرعة إلى المحاسب أولاً.. وسدد الرسوم.
ودون أن يقرأ الرسوم على السند هرع محمد إلى قسم المحاسبة لتنفيذ أمر الأطباء، وهناك واجه جداراً من الإسمنت المالي لا يلين.
أخبره الموظف بلهجة اعتيادية تخلو من أي اكتراث للمأساة القائمة خلف الباب:
— “عليك دفع 30 ألف ريال يمني أولاً كرسوم إدخال، لفتح ملف العناية المركزة”.
تسمر محمد في مكانه، وتحسس جيوبه الخاوية التي طحنها الفقر والغلاء، ونظر إلى الموظف بعينين غارقتين بالدموع وقال بصوت مخنوق:
— “يا أخي، والله لا أملك منها ريالاً واحداً، أنا من الريف ولم أتوقع أن يُباع النَفَس بالمال”.
رد الموظف مشيراً إلى الأوراق:
— “هذه هي اللوائح والتعليمات، لا يمكننا تجاوز النظام”.
اشتد قهر الأب وهو يرى الوقت يتسرب من بين أصابعه، فصاح بمرارة:
— “أميال تفصلنا عن الريف، ووالدتها هناك لا تملك حتى ثمن الحافلة لتأتي وتودع طفلتها، أرجوكم أدخلوها وسأتدبر المال لاحقاً!”
وعندما وجد الأب أن كل الأبواب سدت، أخرج هاتفه المحمول، رابطه الوحيد بالحياة وبالأهل في الريف، ووضعه بكرامة مجروحة على الطاولة:
— “خذوا هاتفي رهينة.. أبقوه عندكم كضمان حتى الصباح، سأخرج لأطرق الأبواب وأبحث عن المال، فقط أنقذوا صفية وأدخلوا العناية!”.
بقي محمد في مكانه؛ ثلاثون ألفاً..؟
كان ذلك المبلغ هو ثمن الفرق بين أن تتنفس صفية الحياة، أو تخمد أنفاسها للأبد في هذه المدينة المنسية.
شعر بأن الأرض تميد من تحت قدميه، وأن الجدران التي بنيت لتكون “هدية” للفقراء بدأت تضيق عليه تكاد تخنق أنفاس طفلته الوحيدة.
لم يكن يملك في جيبه سوى مبلغ بالكاد يكفي للمعاينة، والحصول على إسعاف أولي ينقذ به طفلته، فكيف له بهذا المبلغ الذي صار الآن جداراً فولاذياً يفصله عن حياة ابنته.
لكنه لم يدخر وسعاً ولا جهداً فاندفع نحو مكتب الحسابات مرة ثانية متوسلاً الموظف:
يا أخي، ابنتي تموت بين يدي.. أدخلوها الآن العناية المركزة، وسأذهب لبيع حتى ملابسي .. سأرهن أي شيء لأوفر المبلغ حقكم .. المهم الآن انقذوا ابنتي يا جماعة الخير.
ببرود روتيني اعتيادي رد الموظف، وهو يقلب أوراقه:
_ النظام لا يسمح يا حاج.. ادفع أولاً ثم تدخل العناية، هذه تعليمات الإدارة الصارمة.
التفت الأب يميناً ويساراً، باحثاً عن قلب ينبض وسط هذه الآلة البيروقراطية، باحثاً عن طبيب يكسر القواعد من أجل الروح الإنسانية، لكن لا أحد أجابه.
عند هذا الموقف تجلت الجريمة الحقيقية؛ جريمة خصخصة أنفاس الفقراء، حيث صودر حق صفية في الحياة من أجل بضعة ورقات نقدية تافهة.
(5)
بقي محمد سيف السامعي الأب في صالة الطوارئ بقلب مكسور، حاملاً صفية مرة أخرى بين ذراعيه، وصدره المشتعل بالخوف، في رحلة انتظار مريرة بدأت عند الساعة الرابعة عصراً حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً.
ست ساعات انصرمت كل دقيقة فيها تمر كالمخرز في صدره.
تارة يقف مشدود القامة في قلب الصالة الباردة كأنه يحاول أن يكون حصناً منيعاً لابنته ضد قدر يتربص بها خلف الأبواب المغلقة وقوانين المحاسبة.
في تلك الأثناء كان محمد يستعرض شريط حياته القصير مع صفية؛ تذكر أول مرة أمسكت فيها بسبّابته، وكيف كان ملمس جلدها الطري يمنحه القوة لمواجهة غبار الحياة في تعز.
تذكر ضحكتها التي كانت تملأ البيت صخباً جميلاً ينسيه تعب البحث عن “رزق اليوم”، ويتذكر كيف كانت تتشبث بأصابعه الصغيرة حين يعود بكسرة الخبز أو حبة فاكهة شاردة.
كانت صالة الانتظار في “السويدي” تشبه محطة قطار غادرها المسافرون وبقي فيها المشردون؛ وجوه شاحبة تشبه وجهه، وعيون غائرة تطارد خيالات الأطباء المهرولين.
يتمنى لو أن أمها كانت موجودة لتتناوب معه حملها في لحظات التعب الشديد.
لم يحطها على سرير أو كرسي فأغلب الوقت ظلت في حضنه، يشعر بالبرودة وهي تهاجم جسدها النحيل بضراوة، وتنتقل إلى قلبه الذي بات يتثلج كالثلاجة.
كان محمد يطارد “نقطة أمل” في كل زاوية، يرمق الموظفين الواقفين خلف الزجاج المقسى، أولئك الذين تحولت قلوبهم إلى آلات حاسبة لا تعرف سوى لغة الأرقام الصماء.
استوقف طبيباً شاباً كان يمر مسرعاً، سحب طرف معطفه الأبيض بتوسل كاسر:
_ يا دكتور، البنت “تتشحطط” بين يدي، والله إن حرارتها انتهت، نظرة واحدة بس، الله يجبر بخاطرك.
رد الطبيب وهو ينزع طرف معطفه من يد الأب الخشنة، ودون أن يرفع عينه عن سجل في يده:
_ يا حاج.. قلنا لك مئة مرة.. العناية لها نظام، والسرير لا يفتح إلا بمفتاح “المحاسب”، اذهب دبر حالك بالفلوس والحل عندي.
ابتلع محمد غصته، ونظر إلى امرأة أخرى كانت تفترش الأرض بالقرب منه، تنظر إلى صفية بنظرة هي مزيج من الصلاة والوداع، وتمسح ساقي طفل أمامها بماء سكبته من قارورة بلاستيكية.
اقترب منه رجل مسن كان يجلس على مقعد مكسور في الزاوية، يرتدي “معوزاً” مهترئاً، وهمس له بصوت يملؤه الأسى المجرب:
_ يا ابني، لا تتعب نفسك معهم.. هنا في “السويدي” صار الموت مجانياً والرحمة بفلوس، أنا هنا منذ الصباح بانتظار “كيس دم” لولدي، وقالوا لي “ادفع تسلم”.
شعر محمد بأن الحصار الذي يضرب تعز من الخارج، يسكن أيضاً هنا في الداخل، في الممرات، وفي صدور من أوكلت إليهم مهمة إنقاذ الأرواح.
كانت صفية تئن بصوت خافت، صوت يشبه حفيف الأشجار التي توشك على السقوط، وكان يهمس في أذنها:
_ اصبري يا روحي… محيلة أبوكِ سيجد حلاً، الله لن يتركنا يا صفية.
وعندما كانت مآذن تعز تصدح بأذان صلاة العشاء، يخوض محمد معركة صامتة مع “الكرامة” و”العجز”؛ فكر في الخروج للشارع والصراخ، فكر في استجداء المارة، لكن الوقت كان كالسيف يقطع خيوط الحياة في جسد صفية.
كان يرقب عقارب الساعة المعلقة في صالة الاستقبال، كانت تتحرك ببطء قاتل، وكأنها هي الأخرى تحتاج إلى “رسوم دخول” لكي تسرع وتنقذ ما يمكن إنقاذه.
نظر إلى سقف المشفى المقشر، تذكر قصص والده عن “السويديين” وكيف كانوا يبكون مع المريض، وكيف كان المشفى يفوح برائحة النظافة والرحمة لا برائحة الموت والخصخصة.
قال في نفسه بمرارة: “رحل السويديون وبقيت الجدران، وصرنا نحن السجانين والجلادين لبعضنا البعض من أجل حفنة من الورق”.
يقرر أن يزور بعض المعاريف من قريته في المدينة، وهنا يستأذنهم محمد بترك صفية رهينته الوحيدة لديهم كي يخرج، ويتدبر أمره.
يخرج إلى شوارع تعز الهائمة، يركض في ليل المدينة الموحش كالمجنون.
كان يطرق أبواب الرحمة، ويبحث في وجوه العابرين عن “30 ألفاً” هي في عرف الاقتصاد مبلغ زهيد، لكنها كانت في تلك الليلة “ثمن حياة”.
وفي الوقت الذي كان محمد يجمع فيه شتات نفسه ويبحث عمن يقرضه، ورغم أنه وجد شخصاً كان قد أعلن استعداده التبرع بالمبلغ، وطلب منهم إدخالها العناية المركزة إلا أن القوانين الصارمة لا تعمل بالوعود، وهكذا أدارت اللوائح المالية في المستشفى ظهرها لأنفاس صفية المتلاحقة، وهي تصارع قدرها الأخير دونما جدوى.
لم يطُل الانتظار كثيراً، فالموت في تعز لا يعترف باللوائح، ولا يحتاج لرسوم دخول أو معاملة ورقية.
بينما كان محمد لا يزال يركض في سباق خاسر مع الزمن، اهتز صمت الممرات بالمستشفى بخبر النهاية المأساوية.
اتصلوا بمحمد يستعجلونه بالعودة، وبدلاً من أن يفتحوا له باب العناية، فتحوا له باب المغسلة.
جاءه النداء الصاعقة الذي جمد الدماء في عروقه:
— أخ محمد عد إلينا واستلم جثة طفلتك.. لقد توقفت صفية عن التنفس.
ماتت صفية وهي تنتظر الرسوم، رحلت وهي تنظر ببراءة نحو أجهزة كانت قادرة على إنقاذها، لو أن والدها كان يملك ذلك “الرقم” المشؤوم.
عندما عاد إلى المستشفى منكسراً مكبوتاً غير قادر على الإجهاش بالبكاء، لكنه ما إن انكب على جثة ابنته النحيلة يقبلها حتى دوى نحيبه أرجاء الصالة في محاكمة علنية لإنسانية مدينة، ولفساد نظام صحي قرر أن يضع “القفل” على أبواب العناية المركزة، ويترك المفتاح في جيب المحاسب.
(6)
أخيراً… توقفت تلك الأنفاس الصغيرة المتلاحقة التي كانت تخدش صدر محمد، تلك الأنفاس التي لم تتحمل برودة الرخام ولا قسوة النظام الصحي الذي استبدل “القسم الطبي” بـ “قائمة الأسعار” المهلكة، ووضع “الريال” حارساً على أبواب النجاة.
كان يحس بالبرودة الغريبة السارية من أطراف صفية نحو قلبه، برودة لا تشبه برد فجر تعز، لأنها برودة “الفقد” التي تجمد الدماء في العروق.
هو ذا الحصن الذي كان يحرسه بضلوعه قبل ساعات قد تهاوى، وصفية قد غادرت المشفى، والمدينة، والوجع كله.
يرقد جثتها الصغيرة على كرسي خشبي طويل في ممر المستشفى بصمت مرير يفوق كل صراخ الدنيا، وبحركة آلية راح يسوي قماطها الأبيض الذي صار الآن كفنها الرسمي والنهائي، بينما كانت عيناه شاخصتين نحو الفراغ، لا تبكيان، بل تنزفان ذهولاً.
الوقوف المشدود بذلك الصمود الذي استمر من ليلة أمس في قريته الراقدة على خصر جبل الجعشة بسامع حتى هذه الساعة من هذه الليلة بتعز يتحول الآن إلى سقوط مدو.
يجلس محمد على الأرض المتربة بجوار الكرسي، منكسراً تماماً كشجرة عتيقة اقتلعتها الريح، وغطى وجهه بكفيه الخشنتين ليغرق في بكاء صامت، بكاء الرجال الذي يهز أركان المكان ويختزل وجع اليمن المنسي في زفرة واحدة.
يتراءى له كيف سيكون منظر زوجته عندما يعود إلى القرية كحمامة ذبيحة، لا تقوى على العويل.
يتذكر كيف كان منظرها ليلة الأمس وهي تلمس يد صفية المحمومة، وتهمس بكلمات غير مفهومة، ربما كانت تعتذر لصغيرتها لأنها لم تكن تملك “ثمن الحياة”، أو لأنها أحضرتها إلى عالم يبيع الموت للفقراء في زجاجات أنيقة.
وبينا هو على تلك الهيئة يتحلق حوله وجوه المقهورين الآخرين، أولئك الذين كانوا ينتظرون أدوارهم في طابور الوجع.
يسود الصالة صمت جنائزي مهيب .. صمت لم يقطعه سوى صوت حذاء طبيب يمر مسرعاً، غير آبه بأن هناك “كوكباً” قد انطفأ للتو على هذا الكرسي الخشبي المهمل.
يقول أحد الحاضرين، وهو رجل في الخمسين من عمره، بصوت مخنوق يملؤه القهر:
والله إنها لم تمت من المرض، بل ماتت لأن ذنب والدها الوحيد أنه فقير في مدينة لا تحترم إلا من يملك ثمن التذكرة”.
تاهت الكلمات في ممرات المستشفى الموحشة، حيث كانت الحكومة غائبة عن الرحمة، وحاضرة فقط في صورة موظف يغلق دفتر إيصالاته ببرود، وفي صورة سياسات جعلت من “مشفى السويد” الذي كان يوماً رمزاً للعطاء، مقبرة لأحلام البسطاء.
بقيت صفية مسجاة على ذلك الكرسي، كأنها في غفوة أخيرة، تاركة خلفها صرخة صامتة ستظجل تتردد في أروقة هذا المكان، شاهدة على جريمة “خصخصة الأنفاس” التي أعدمت براءتها بدم بارد.
(7)
تعز لا تشبه سائر مدن العالم في شيء؛ وباتت جرحاً مفتوحاً على السماء، يقطر صمتاً ووجعاً خلف جدران المنازل المنهكة التي نخرها الرصاص وأتعبها الحصار الطويل.
في تلك اللحظات التي كان فيها الأب يغص بعبراته ويتحمل طعنات الفقد المريرة، كان هناك مشهد آخر مقزز يكتمل فصولاً في مكاتب المسؤولين المترفة المبردة؛ فبدلاً من أن تهتز ضمائر القائمين على الشأن الصحي، وبدلاً من إعلان حالة الطوارئ الأخلاقية أو فتح تحقيق فوري في رحيل طفلة كان ثمن نجاتها ثمانية عشر دولاراً فقط، انشغل نائب مدير مكتب الصحة بتعز، عبد الله القياضي، بمهنة بعيدة كل البعد عن الطب، مهنة “النقاد الفنيين”.
راح القياضي، بدم بارد يضاهي برودة جثة صفية، يحلل “كادرات” الصور التي توثق المأساة، متحدثاً بوقاحة عن “الإضاءة المثالية”، و”الزوايا الاحترافية”، وكأن دماء البسطاء مجرد “سيناريو” أعده مخرج بارع، واصفاً أنين محمد المقهور بأنه “تمثيلية” أو “محتوى فيديو جاهز للتريند”.




