- بقلم: منصور السروري

أمام الذكرى السادسة والثلاثين لقيام الوحدة اليمنية سأتحدث عن أحد أعظم صناعيها “الجاوي”.
***
في البدء كان الجسد الممتد بين رمال الوهط في لحج وصخور صنعاء المحاصرة يبحث عن هوية تجمع ما تشتت في مهب الريح الشطرية.
ولم يكن عمر عبد الله الجاوي مجرد عابر في تاريخ اليمن المعاصر, بل كان زلزالاً هادئاً, ونشيداً عنيداً انبعث من حنجرة الأرض ليرفض التشظي والركود.
لقد صاغ هذا الرجل من تفاصيل حياته ملحمة فلسفية وإنسانية فريدة, تجلى فيها المثقف العضوي في أبهى صور تجرده ونزاهته ونضاله.
كان يرى الوطن قصيدة كبرى غير قابلة للكسر, ويرى السياسة أداة نقية لخدمة البسطاء والمهمشين لا وسيلة لإنتاج القياصرة وسلاطين الطوائف.
ومنذ إشراقة وعيه الأولى في دروب لحج وعدن, أدرك الجاوي أن الحرية لا تُوهب كمنحة من الحكام بل تُنتزع انتزاعاً بقوة الحق, وأن الكلمة التي لا تهز عروش الظلم والجهل هي جثة هامدة تذروها رياح النسيان.
حين غادر الشاب النحيل قريته المتربة صوب القاهرة ومن ثم إلى صقيع موسكو, لم يكن يبحث عن وجاهة اجتماعية أو شهادة أكاديمية تُعلّق على الجدران الصامتة.
بل كان يفتش في بطون الكتب والمذاهب عن سلاح فكري متين يعود به ليخوض معركة التنوير والتحرر في بلد يرزح تحت ثقل الإمامة في الشمال والاستعمار في الجنوب.
وهناك, في أروقة الفكر التقدمي العالمي, صقل عقله الفلسفي, فتعلم أن النضال ليس شعارات جوفاء تُردد في المحافل, بل هو انغماس يومي في طين الأرض وهموم الناس, وفهم عميق لحركة التاريخ وأشواق الإنسان نحو العدالة الاجتماعية.
وعاد الجاوي يحمل في حقيبته أحلاماً تواقة بحجم مجرة, وعزيمة لا تكسرها غياهب السجون ولا تروضها المغريات, فكان المثقف الذي يعيش ما يؤمن به, ويمارس أفكاره على رصيف الواقع بجرأة لافتة وانحياز مطلق ومبدئي للفقراء والمهمشين.
وعندما تكالبت قوى الردة لترمي شباكها حول صنعاء في حصار السبعين يوماً الرهيب, لم يختبئ عمر الجاوي خلف الكتب أو النظريات الأيديولوجية الباردة في غرفته المعزولة.
بل نزل إلى خنادق المواجهة الدامية, مقاتلاً بفكره وقلمه وصوته, مشاركاً في هندسة المقاومة الشعبية وتعبئة الأرواح الجائعة للصمود والانتصار والذود عن حياض الثورة.
كان يؤمن بفلسفة الصمود الذاتي للجماهير, وبرهن في تلك اللحظات الحرجة أن إرادة الشعوب حين تلتحم بالوعي قادرة على دحر أعتى الحصارات وصناعة فجر جديد من عتمة الليالي الطويلة.
ومن قلب المعركة والحصار, كان يكتب بمداد دمه وقلقه افتتاحيات صحيفة “المقاومة الشعبية”, لتتحول الكلمات في يد المقاتلين إلى مقذوفات تذود عن شرف الجمهورية الوليدة وتزرع الأمل في النفوس الوجلة, ليوثق تلك الملحمة لاحقاً في ريبورتاجه الشهير “حصار صنعاء” كشاهد حي على عصر البطولة.
ولم تكن الصحافة في عُرف الجاوي مهنة للارتزاق أو التزلف على أعتاب السلاطين, بل كانت خندقاً متقدمماً للمواجهة, ومبضع جراح يغوص في الدمامل ليكشف عورات الفساد والتبعية والاستبداد.
أسس الصحف وأدار المنابر الثقافية محولاً كل زاوية يكتب فيها إلى محاكمة تاريخية وأخلاقية لكل من يتاجر بآلام اليمنيين ويرهن قراره للخارج.
وكان يمتلك أسلوباً ساخراً وفريداً, يمزج فيه بين النقد السياسي اللاذع واللغة الأدبية الرفيعة, مستعيناً بروح النكتة والتهكم الذكي ليفكك غطرسة السلطة ويكشف زيف وعودها المعسولة.
لقد جعل الصحافة صوتاً حقيقياً لمن لا صوت لهم, ومظلة آمنة للأحرار الذين تضيق بهم زنازين الرقابة الحكومية في الشطرين, فصار قلمه الأنيق والمخيف بمثابة كابوس يقض مضاجع الطغاة والمستبدين.
وفي اللحظة التاريخية الكبرى التي كان فيها الوطن يتمزق تحت وطأة التشطير والحدود المصطنعة والصراعات العسكرية المتناوبة بين صنعاء وعدن, ابتكر الجاوي معجزة ثقافية فريدة غير مسبوقة.
دعا عام 1970 إلى تأسيس كيان ثقافي مهني بارز يجمع شتات الأدباء والمفكرين في اليمن, وفي 13 مايو 1971 أعلن مع أدباء وكتاب يمنيين من الشطرين عن ميلاد اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين رسمياً في 13 مايو 1971م, وافتتح مقره الرسمي في عدن عام 1972, وفيه انتخب الأستاذ عبد الله البردوني رئيساً للاتحاد, والجاوي أميناً عاماً إلى جانب ترأسه لمجلة الحكمة لسان حال الاتحاد, ولعب هذا الكيان دوراً محورياً في تعزيز الهوية الوطنية والتقريب بين شطري اليمن قبل الوحدة.
لم يكن مجرد عمل نقابي عابر, بل كان تجسيداً لفكرة فلسفية عبقرية تقول إن الثقافة تسبق السياسة, وأن وجدان الشعوب لا تمزقه خرائط الساسة ونزواتهم.
قاد هذا الاتحاد ليكون أول مؤسسة يمنية موحدة تجمع أدباء الوطن من صعدة إلى المهرة تحت سقف واحد, عابراً فوق حقول الألغام السياسية والحدود المدججة بالسلاح والمخاوف الشطرية.
كان الجاوي ينتقل بين العاصمتين كطائر لا يعترف بالحدود, حاملاً مجلة “الحكمة” كوطن بديل مصنوع من الحبر والورق, يقرأ فيه اليمني قصيدة أخيه ويعرف أنهما شريكان في الحلم والهم والمصير.
لقد علمنا الجاوي من خلال تلك التجربة النقابية الرائدة أن المثقفين هم حراس الذاكرة الوطنية, وأنهم قادرون على صياغة المستقبل وهدم جدران التجزئة قبل أن تجف أحبار المعاهدات والاتفاقيات السياسية.
وعندما أشرقت شمس دولة الوحدة عام 1990, لم يهرول عمر الجاوي لحجز مقعد دافئ في قطار السلطة أو اقتسام المناصب الكبرى التي سارع الآخرون لنهبها كغنائم حرب وفيد.
بل انحاز كعادته إلى الشارع, وأسس “تجمع الوحدوي اليمني” ليكون حزباً للمثقفين والأحرار, وصوتاً نقدياً مستقلاً يراقب مسار الدولة الوليدة ويحمي هامش الديمقراطية والتعددية الناشئ.
وفي تلك الأيام التي اختلطت فيها التباشير بالمؤامرات, كان الجاوي يرى بعينه الثاقبة الغيوم السوداء التي بدأت تتجمع في الأفق, ويحذر من تفخيخ مشروع الوحدة بالفتاوى التكفيرية والفساد المالي والقبلي.
ولأنه كان صوتاً جافاً لا يقبل الإملاءات, ومثقفاً حقيقياً يرفض الدخول في حظيرة التدجين السياسي, قردت قوى الظلام والردة تصفية هذا الصوت الشجاع لتدشين عهد الاغتيالات الدموي.
وكانت الرصاصات الغادرة التي انطلقت في سبتمبر 1991 لتستهدفه في شوارع صنعاء, طعنة مباشرة في صدر المشروع المدني التنويري الذي ناضل من أجله طوال حياته الحافلة.
نجا الجاوي بأعجوبة من تلك المؤامرة الآثمة برعاية إلهية, لكنه غرق في حزن نبيل باستشهاد رفيق دربه المهندس حسن الحريبي, ليتحول الحادث إلى جرح وطني غائر لم يندمل في روحه أبداً.
ولم تزده محاولة الاغتيال الجبانة إلا صلابة وعناداً, فعاد إلى ساحات الفكر والكتابة بقلم أكثر حدة وصوت أشد جهوراً, رافضاً الخضوع لإرهاب الفتاوى والبنادق المأجورة التي تحمي مراكز النفوذ.
وكان يرى في دم رفيقه الحريبي ديناً تاريخياً يستوجب مواصلة السير في طريق الحرية والتعددية حتى الرمق الأخير, مبرهناً على أن جسد المناضل قد تثقبه الرصاصات لكن فكره يظل عصياً على الفناء والنسيان.
وحين تصاعدت أزمة الاستفتاء على دستور دولة الوحدة عام 1991, وتدفقت الفتاوى التكفيرية والتحريضية لمقاطعة الدستور ومحاصرة مدنية الدولة, لم يتردد الجاوي في خوض أشرس المعارك الفكرية.
وقف في مناظرته التلفزيونية الشهيرة والتاريخية أمام الشيخ عبد الله صعتر, ليفكك بذكائه الحاد وسخريته المعهودة لغة الحشد والتعبئة الدينية والسياسية التقليدية.
لم يكن في تلك الليلة يدافع عن نصوص قانونية جافة فحسب, بل كان يذود عن حقوق المرأة, وعن الحريات العامة, وعن حق اليمني في أن يعيش في دولة مواطنة متساوية لا وصاية فيها لفقيه أو شيخ قبيلة.
وكان الشارع اليمني يتابع تلك المبارزة التلفزيونية بذهول وشغف, يرى كيف يمكن للمثقف الأعزل إلا من حقه وحجته التاريخية أن يواجه تيارات مسلحة بجيوش من الخطباء والأتباع دون أن يطرف له جفن أو يهتز له موقف.
وعندما اهتزت الأرض تحت أقدام اليمنيين في حرب صيف 1994 المشؤومة, تجلى موقف الجاوي الفلسفي والوطني بأبهى صور التجرد الأخلاقي والإنساني والسياسي.
وقف بكل قوته ضد خيار الانفصال تمسكاً بالوحدة التاريخية التي صاغ لبناتها النفسية والثقافية عبر السنين, ولكنه وقف بالجسارة نفسها ضد الحرب الظالمة التي شنتها تحالفات قوى النفوذ التقليدية على الجنوب.
رفض الجاوي أن تُعمد الوحدة بالدم والدبابات وتدمير الشراكة الوطنية, واعتبر أن اجتياح الجنوب بالفتواى التكفيرية والنهب هو اغتيال لروح الوحدة السلمية الديمقراطية وتحويلها إلى مجرد فيد وغنيمة حرب.
كتب بمقالاته عبارات للتاريخ حذر فيها من أن المنتصر في هذه الحرب خاسر لا محالة, وأن شرخ القلوب والنفوس وتدمير النسيج الاجتماعي أخطر بكثير من شرخ الجغرافيا والخرائط السياسية.
ولم تكن الأبعاد الأدبية والشعرية في شخصية الجاوي مجرد ترف جمالي عابر, أو محاولة للهروب من صخب السياسة ونقع المعارك اليومية الطاحنة.
بل كانت الأدوات الروحية التي يغسل بها إحباطاته المتراكمة, ويعيد بها صياغة الوجود اليمني بما يتناسب مع أحلامه الإنسانية الكبرى في التنوير والانعتاق من ربقة الجهل.
كان يتنفس الشعر ويرى في الأدب سلاحاً ناعماً قادراً على إعادة صياغة الوعي الجمعي, وإيقاظ الهمم الخامدة لمقارعة الظلم والفساد والرجعية التي تحاول إبقاء اليمن في غياهب الماضي.
كتاباته ومقالاته الفكرية التي كان ينشرها أو يلقيها في مقيله وفي اتحاد الأدباء كانت تفيض بعمق معرفي مذهل, يعكس اطلاعه الواسع على روائع الأدب العالمي وحركات التحرر الإنساني, مما جعله منارة تنويرية حقيقية تتجاوز ضيق الأيديولوجيات الحزبية والسياسية الضيقة.
كان الجاوي متقدماً على عصره ومحيطه بمسافات ضوئية شاسعة, ولذلك عاش غريباً ومرتحلاً في دروب النضال, يرفض الانحناء ويأنف الأعطيات الرخيصة التي كان يوزعها الحكام لاستمالة الضمائر وشراء الولاءات.
وحين أراد الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح “تكريمه” أو احتواء صوته اللاذع عبر منحه قطع الأراضي والمزايا, ركلها الجاوي بعزة نفس الأحرار, مفضلاً أن يظل فقيراً نبيلاً يمتلك كرامته وقلمه ويمشي بين الناس مرفوع الرأس.
كان يؤمن أن رأس مال المثقف الحقيقي هو مصداقيته ونزاهته, وأن الكلمة التي تباع في سوق النخاسة والمقايضات السياسية تفقد قدرتها على الإحياء والتحرير وتتحول إلى أداة لشرعنة الجريمة والاستبداد.
وهكذا عاش زاهداً ومتصوفاً في محراب الوطنية اليمنية الخالصة, لا يبتغي جاهاً ولا يبحث عن ثناء أو منصب, بل يزرع بذور التنوير للأجيال القادمة وينتظر أن تثمر الحرية على أرض اليمن السعيد.
وحين وافاه الأجل ورحل عمر الجاوي عن دنيانا في ديسمبر 1997, لم يكن قد ترك وراءه عقارات أو أرصدة بنكية ضخمة تثير لعاب الورثة.
بل ترك وطناً حياً في الذاكرة الجمعية, وإرثاً نضالياً وثقافياً ونقابياً زاخراً بالدروس البليغة والعبر التي لا تموت بمرور السنين.
رحل الجسد النحيل الذي أنهكته المعارك والأسفار ورصاصات الغدر الآثمة, وبقي الأثر النبيل منقوشاً في وجدان كل مثقف يمني شريف يرفض الظلم ويؤمن بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
لقد كان عمر الجاوي النهر العذب الذي عبر من شقوق جدار التشطير والتجزئة, ليثبت للجميع أن الهوية اليمنية أكبر من صراعات الساسة وأبقى من تحالفات الحروب العابرة والمصالح الضيقة.
واليوم, ونحن نتأمل تفاصيل سيرته العطرة ونستدعي مواقفه التنويرية الباسلة في زمن الانكسارات, ندرك كم كان هذا الرجل عظيماً وصادقاً واستشرافياً في رؤيته العميقة لمستقبل اليمن ومآلاته.
وسيبقى اسم عمر عبد الله الجاوي منارة شامخة تضيء دروب السائرين نحو الدولة المدنية الحديثة, ونشيداً تردده الأجيال كلما تطلعت نحو شمس الحرية والكرامة والعدالة الإنسانية الخالدة.




