- عبدالباري طاهر
كان حدث عودة حكم طالبان إلى افغانستان، الحدث الأبرز والأهم في العقد الواحد والعشرين في هذا القرن ، عودة طالبان بعد حرب عشرين عاماً شنها الأمريكان وحلفاؤهم في النيتو ، لم يكن متوقعا بهذه السرعة والطريقة، وهو مايؤكد على أكثر من دلالة ويطرح أكثر من سؤال !
انتصار طالبان يؤكد حقيقة اثبتها كفاح الأمم والشعوب لأزمنة متطاولة ، وبالأخص منذ نشأة الحركات القومية وحروب التحرير الوطني ضد الاستعمار في القارات الثلاث : آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية وآخرها حرب التحرير الجزائرية، وحرب فيتنام ضد الامريكان، وكفاح الجنوب اليمني ضد بريطانيا والتدخل الأمريكي في لبنان ، وحرب الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي، أكدت حروب التحرير الوطنية في القرن العشرين، أن شعبا صغيرا يستطيع هزيمة أقوى امبراطورية، إذا امتلك القيادة والإرادة ، وأكدت أيضا صواب الرؤية الماوية، أن التناقض الرئيسي دائما مايكون ضد التدخل الأجنبي، وأن التدخل الأجنبي يهمش التناقضات الثانوية ويدفع إلى توحيد القوة الوطنية ضد الأجنبي، فهي خبرة تاريخية تمتلكها وتتوارثها مختلف أمم وشعوب الأرض ”، أنا ضد ابن عمي وأنا وابن عمي ضد الأجنبي ” مثل يمني .
انتصار طالبان يكشف مدى زيف وكذب الدعاوى الأمريكية والاستعمارية وحرصها على تحضر وتمدن وديمقراطية الشعوب المستعمرة، وأن الاستعمار ليس عدواً للاستبداد، وإنما هو قمة الاستبداد والفساد كما أنه ليس ضداً على الارهاب وإنما هو الارهاب الأكبر أو الارهاب ” الخالق” في مواجهة الارهاب المخلوق والخالق في آن، فهناك ثلاث مستويات للارهاب فأمريكا والدول الاستعمارية هي الارهاب الخالق والأكبر بامتياز، وطالبان نفسها في ثمانينات القرن الماضي ارهاب مخلوق، والدول التابعة هي العالم الثالث والرابع ارهاب خالق ومخلوق في آن، والحركات الارهابية المتعددة الأسماء ارهاب مخلوق.
لم تعد طالبان بعد الطرد من السلطة ارهاباً، وإنما هي حركة تحرر وطني، ومن الخطأ تأويل انتصارها بانه مؤامرة أو ثمرة صفقة فقط بينها وأمريكا، فهذا التفسير البوليسي للتاريخ، أو اعمال عقلية المؤامرة اهانة بالغة لكفاح الشعب الافغاني لعدة قرون، وبالأخص خلال العشرين عاماً الاخيرة..
مزاوجة الكفاح الأفغاني بين المسلح والسلمي، في اجتياح القوات الأفغانية للمدن، مؤشر مهم للكفاح ضد الاستعمار وأدواته الاستبدادية، الانتصار الأفغاني درس للدول التابعة الخالقة والمخلوقة في آن، أن تتعظ بالانتصار الأفغاني، وبالأخص اسرائيل والدول التابعة في المنطقة، وهو درس أيضا لقادة الحروب المأجورة المستفيدين أو المعتمدين على الصراع الاقليمي في المنطقة على حساب أمتهم وشعوبهم.
طالبان كحركة تحرر وطني آتون من المدرسة الحنفية الحقانية الأكثر تفتحاً وعقلانية، والحركة السياسية المتوهبة والمرتبطة بالأمريكان في الصراع الوطني ضد التدخل الروسي، هي الآن حركة تحرر وطني تحمل وتعبر عن الارادة العامة لشعبها الأفغاني، وتحمل خصائص وسمات وطبيعة مجتمعها، كما أنها أيضاً شديدة التأثر بكفاحها الوطني، وبالتطورات الحالية، ولكن من الوهم الرهان على ديمقراطيتها أو احترامها حقوق الانسان أو مراعاة حقوق المرأة، فحقوق المرأة عند مسؤوليها لا تتجاوز أحكام الشريعة الاسلامية، وأحكام الشريعة هي القاسم الأعظم بين كل تيارات الاسلام السياسي .
في بدايات ستينيات القرن الماضي دار حواراً بين الأستاذين محمود أمين العالم ومحمد الغزالي، حول نص في مشروع الميثاق الوطني الذي دعى إليه الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وفي حين كان النص ” يكفل الميثاق حرية المرأة ” اقترح الغزالي اضافة في حدود أحكام الشريعة الاسلامية وهو مايقول به بعض قادة طالبان اليوم .
حالياً بين طالبان وشعبها وجوارها الباكستاني خلاف وتوافق اكبر كما هو الحال مع الهند والصين وروسيا وايران، اعطاء البعد الطائفي السني الشيعي، وان كان موجوداً وهم كبير وقراءة غير صائبة قراءة المجتمع الافغاني مهمة، فالمجتمع فسيفسائي متنوع ومتعدد إلى أبعد حد، وهو بيئة حبيسة معزولة ترتبط بحدود وتداخل بين أقلياتها وجوارها، فالبشتون ال ٥٧٪ يرتبطون بجوار وترابط قومي مع باكستان والطاجيك ال٣٠٪ ، يرتبطون بجوار وتداخل مع طاجكستان الروسية، والأزبيك ال٥٪ اسماعيلية مرتبطون بجوارهم وقوميتهم الأزبيكية في روسيا، والهزار الشيعة الإثنا عشرية مرتبطون بجوارهم ومذهبهم في ايران، ولكن طابع الصراع قومي في مواجهة الاحتلال الأمريكي وتحالفاته الاستعمارية، اما الادأعراق واللغات واللهجات فحدث ولا حرج، لاشك ان طالبان قد تخففت كثيراً من حمولة التمذهب الوهابي وإن لم يلغَ كما أنها لم تعد صنيعة التحالف الأمريكي الغربي السعودي في مواجهة السوفيت، كما أنها أيضاً لم تتخلص مع انتمائها لواقعها الافغاني شديد التخلف والعزلة والاحتكام للسلاح والصراعات الممتدة والحكم بالمطلق لها أو عليها متروك للمستقبل .




