- بقلم: قادري أحمد حيدر

هذه الورقة / الدراسة كُتبت في منتصف 2013م، وأنا في (مؤتمر الحوار الوطني الشامل)، (فريق القضية الجنوبية)، متضمنة في كتابي تحت عنوان (القضية الجنوبية.. رؤية سياسية- تاريخية) مساهمة في نقد السياسة والواقع. والعديد من مواد الكتاب كُتبت ونُشرت في الصحف: من بعد جريمة حرب 1994م، في (الثوري، الأيام، الشورى، التجمع…)، حين كان البعض يخشى قول وكتابة مضامين مفردات ومحتويات ما في هذا الكتاب، ومن هنا قيمتها السياسية والتاريخية.
أي أن مادة الكتاب ليست سياسية راهنية، وفي العديد من محتوى مادة الكتاب تحذير وتنبيه للمآلات السيئة التي قد تصل إليها الأمور في إصرار نظام علي عبد الله صالح على تقديم المعالجات العسكرية والأمنية (الدموية) في حل القضية الجنوبية، ومن أن البداية في إدانة جريمة حرب 1994م.
- علاقة الجذور بالواقع في القضية الجنوبية:
إن اللحظة التي تأسست فيها جذور القضية الجنوبية 1992م- 1994م، وانتهت عندها من إنتاج مفاعيلها، هي ذاتها اللحظة التي بدأ فيها محتوى أو واقع القضية الجنوبية رحلته الجديدة، 1994-2013م؛ رحلة بحثه عن نفسه، وعن معنى وجوده، وعن كيانيته السياسية والتاريخية المصادرة (كدولة، وسلطة، وثروة، وأرض) في خضم عملية تحول قاسية وجارحة (علاقة العلة بالمعلول). والفارق هنا أن الزمن التاريخي للجذور أقصر، بكل ما مثله وجسده من معاناة وعذابات للناس، وأن الواقع بمحتواه وعمره -الذي هو عمر القضية الجنوبية- يكمن في تطورها وتشكلها، وهو الأطول، وقد يمتد إلى زمن أبعد في الحاضر في غياب الحلول السياسية الناجعة.
فمنذ إعلان توقف الحرب العسكرية اسمياً وشكلياً على الجنوب، لم يفرق الحكم الفردي، العصبوي، المركزي، (العسكري، القبلي، الديني) في حربه تلك بين الحزب الاشتراكي الذي عدد أعضائه لا يتجاوزون الثلاثين ألفاً، وبين الأربعة أو الخمسة ملايين من أبناء الجنوب وسكانه… وبحجة إقصاء الاشتراكي “الانفصالي” عاقب هذا الحكم بالحرب، وبأيديولوجية “الردة والانفصال” جميع أبناء الجنوب. ومنذ تلك اللحظة جرت مياه كثيرة، وتحولات صعبة ومعقدة في قلب القضية الجنوبية ومحتواها.
فعلى حالة التمايز والاختلاف بين لحظتي الجذور والمحتوى، وبين معناهما المتباين كذلك في السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي، فإن الصلة والعلاقة فيما بينهما لا تنقطع، والتفاعل والتداخل بين لحظتي الجذور والمحتوى لا يتوقف، خاصة مع استمرار الدواعي والأسباب المنتجة لجذور القضية الجنوبية، واستمرار إنتاجها في صيغ تعبير المحتوى، وفي صور تطوره وتحولاته؛ حيث تفاعلات الجذور ما تزال قائمة وتعيد إنتاج نفسها باستمرار حتى هذه اللحظة نتيجة غياب أي معالجات سياسية وعملية للقضية الجنوبية في جذورها، ومن هنا استمرار تبادل التفاعلات السلبية بين الجذور والمحتوى.
فالجذور تتميز غالباً بالثبات والاستقرار، فهي أحداث ووقائع حصلت وتمت وصارت جزءاً من التاريخ.. ولكنه التاريخ المتحرك وليس الراكد. أما المحتوى فهو يتسم بالحركية والحيوية والتغير؛ فعلى سبيل المثال كان محتوى أو واقع القضية الجنوبية المجسد في مطالب الحراك السلمي الجنوبي في بدايته لا يتعدى حدود حقوق مطلبية بسيطة، ومع رفض النظام الإقرار والاعتراف بها والتوجه لحلها، ومواجهة هذه المطالب بالقمع العسكري والمعالجات الأمنية (السجن والاغتيالات)، تحولت المطالب العادية الحقوقية للحراك السلمي الجنوبي إلى مطالب سياسية عامة، ثم سياسية تؤكد على شراكة الجنوب في الدولة والسلطة والثروة وهو حق طبيعي وعادل، حتى وصول واقع أو محتوى القضية الجنوبية إلى استعادة الدولة وفك الارتباط وتقرير المصير.
ولا يمكن لأحد اليوم أن يتجاهل أو ينكر أن الحراك السلمي الاجتماعي والسياسي الجنوبي هو حقيقةً من أسهم في رفع سقف المطالب السياسية للجميع، وجعل النخبة السياسية تلاحق تطور حركته في الواقع وفي السياسة. كما لا يمكن إنكار أو تغافل أن الحراك السياسي الجنوبي هو الذي أنتج حالة المناصفة في قوام أعضاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل بين الجنوب والشمال، وبدعم من القوى السياسية المساندة له، وخاصة الحزب الاشتراكي اليمني. ومن هنا تأتي الأهمية السياسية والوطنية العاجلة في تقديم معالجات سياسية جدية وعملية للقضية الجنوبية، قبل أن يتصاعد محتوى القضية الجنوبية إلى ما هو أبعد من فك الارتباط، يتعذر معه أي حلول، تصبح معه الدولة الاتحادية الفيدرالية في اليمن حلاً مستحيلاً؛ خاصة في ظل واقع تحولات موازين القوى الدولية المتسارع وحالة تبادل المصالح بين القوى الكبرى على طريق اقتسام مواقع النفوذ العالمي،(1) والمحاولات الدؤوبة لصياغة عالم متعدد الأقطاب بدلاً عن عالم القطب الواحد، تصبح معه حالة تفكيك المجتمعات واحترابها، وتقسيم الشعوب، وتمزيق وحدة الدول، واحدة من الانعكاسات السلبية الضرورية لذلك الصراع الدولي لاقتسام مواقع النفوذ في العالم.
- القضية الجنوبية المصلحة والمحتوى:
إن فقدان المصلحة وقهر الناس في حقوقهم الخاصة والعامة في أي شيء، ومن أي شيء كان يمس صلب حياتهم ومعنى وجودهم، إنما يعني تشكل موقف ضدي رافض لهذا الشيء (الموقف)، سواء كانت المصلحة المسلوبة ممثلة في فكرة اعتقادية، أو فكرة سياسية، أو فكرة وطنية؛ فما بالكم حين يكون الأمر متعلقاً بغنيمة ومصادرة حق شعب في إرادته الحرة، وفي أرضه وثروته ودولته وفي تاريخه الذاتي الخاص؟ خاصة وأن الوحدة السلمية لم تستقر ولم تستمر أكثر من ثمانية أو تسعة أشهر، حتى بدأت التوترات السياسية وعدم الاستقرار في بنية النظام السياسي للوحدة.
فدائماً ما تكون المصالح والحقوق المسلوبة هي القوة الدافعة والمحفزة للمقاومة، وهي الرافعة العملية في أي نشاط سياسي أو اجتماعي (إصلاحي أو ثوري). وحين تُقهر إرادة الناس وتغيب مصالحهم قهراً وغصباً، تتجلى أفعال الناس والجماهير وتتجسد في الواقع، إما في صورة ردود فعل عفوية تلقائية رافضة ومعارضة في صور وأشكال تخريب وتدمير للبنى السياسية والاجتماعية القائمة، وإما في شكل حركة جماهيرية ثورية سلمية دفاعاً عن المصالح المغيبة. “فالعلاقات الاجتماعية” و”العلاقات الاقتصادية” هي في الجوهر والواقع مصالح سياسية واقتصادية وحقوقية، هي تعبير عن الحاجات الذاتية والموضوعية والسياسية المطلوب تحققها في واقع الممارسة.
المهم أن لا تقف المعرفة ضد المصلحة، أقصد أن لا تقف معرفة الناس ضد مصلحتهم التاريخية في التغيير، حتى لا يجد الناس أنفسهم أمام فهم ووعي وفكر سياسي مشوه وزائف يجعل إمكانية فهم الواقع صعبة ومعقدة وإمكانية تغييره مكلفة إن لم نقل كارثية. أي أن المهم هو أن يدرك ويفهم بعمق أصحاب المصالح كيف يستعيدون امتلاك إرادتهم؟ وكيف يستردون حقوقهم؟ وكيف يحصلون على مصالحهم؟ وكيف يمارسون السياسة الموحدة لهم والجامعة لإرادتهم؟
وحينها تتحول حركة فعل الناس من شكل إلى محتوى، كما في صيرورة الحركة السياسية الجنوبية السلمية؛ حيث تحول محتوى الحراك السياسي الجنوبي تدريجياً أمام عنت وعسف النظام السابق وابتعاده عن تقديم معالجات سياسية جادة وعملية، إلى قضية سياسية ووطنية كبرى شغلت المجال السياسي كله تعبيراً وتجسيداً لوحدة المعرفة بالمصلحة، وفرضت محتواها على الجميع كقضية جنوبية سياسية وحقوقية.
ومن المهم هنا التأكيد أن الحراك السياسي السلمي الجنوبي كان تاريخياً -وتحديداً في تاريخنا الحديث والمعاصر- ولا يزال هو التعبير العميق عن واقع حركة التقدم الصاعدة من وفي قلب الجنوب، ويمتد أثرها الإيجابي إلى كل الشمال في مواجهة القوى المعوقة والكابحة للتطور والتقدم الاجتماعي في كل اليمن، شمالاً وجنوباً. وهو ما جعل جميع الأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية -بما فيها السلطة الفردية العصبوية السابقة القائدة لحرب 1994م- تقر وتعلن أن القضية الجنوبية هي الرافعة السياسية والاجتماعية ليس لحل القضية الجنوبية بل لحل القضية الوطنية برمتها. ونأمل أن يكون ذلك فاتحة ومقدمة سياسية ووطنية لتحمل هذه القوى السياسية مسؤوليتها التاريخية عن الحرب على الجنوب حتى نقلب الصفحة وندخل إلى الحلول؛ إذ أنه بدون ذلك تستعصي الحلول جميعها، ولن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا لنتراجع خطوات غير محسوبة النتائج إلى الخلف.
المهم اليوم وغداً، أن يحافظ الحراك السلمي الجنوبي على سلميته وديمقراطيته، وأن يؤسس ويعمق في داخله فكرة وقضية الاعتراف بالآخر، في داخله وفي خارجه. “وبهذا الصدد لا بد من تخليص الخطاب الإعلامي للحراك السياسي من الكوابح التي تضخ ثقافة الكراهية وروح التفرقة والعداوة، سواء بين شركاء الحياة السياسية أو بين أبناء الشعب اليمني؛ فالقضية الجنوبية ببعدها السياسي والثقافي والأخلاقي الحضاري لا يجوز أن توظف لإنتاج هذه الثقافة، إنها مشروع سياسي للتجديد كما كان الجنوب دائماً مشروعاً سياسياً لليمن بما اعتمل فيه من عناصر دفع مدنية وحضارية، خاصة مدينة عدن التي كانت موئلاً لكل اليمنيين” (2).
إن تحقيق المصلحة السياسية والمادية المباشرة للحراك الجنوبي السلمي يعني بداية تحول نوعي في محتوى أو واقع القضية الجنوبية باتجاه عودة القضية الجنوبية إلى فضائها السياسي الطبيعي، وعودة للعلاقة الجدلية الإبداعية التاريخية بين القضية الجنوبية والقضية الوطنية التي مزقت حرب المصالح الصغيرة في العام 1994م وحدة العلاقة فيما بينهما.
المهم أن يتأكد لأبناء الجنوب في الواقع تحقيق هذه المصلحة السياسية والمادية وتتجسد لهم بوصفها حقيقة موضوعية، باعتبارهم الطرف الشريك والأساسي في الدولة الجديدة على قاعدة عقد مصلحة جديد في الوحدة، وعقد مصلحة جديد في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية حديثة يرتقبها ويرتضيها الجميع. حينها سوف نتجاوز جميعاً حالة وواقع الأزمة السياسية، البنيوية، التاريخية، وسوف ندخل إلى فضاءات الحلول بعقل سياسي نقدي يقر بشرعية الاختلاف وبالتعدد والتنوع في إطار الوحدة أو في إطار الكيان السياسي الجديد الجامع للجيوسياسية الجنوبية والشمالية بصورة ندية ومتساوية، وليس من خلال تمجيد أيديولوجية الوحدة المصمتة والقاتلة.
المحتوى الأيديولوجي التاريخي في علاقة الشمال بالجنوب:
للقضية الجنوبية في سياقها التاريخي -أي من حيث علاقة الشمال بالجنوب- مفهومان أو بعدان؛ الأول سياسي تاريخي، والثاني أيديولوجي. ولا يعني ذلك أن البعد السياسي مفصول عن التاريخ أو المعنى التاريخي، ولا أن المعنى الأيديولوجي لا صلة له بالسياسي وبالجغرافي.
فالتاريخ السياسي الاجتماعي اليمني في تحولاته السياسية التاريخية يعلمنا أنه كلما كانت العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة طبيعية وإيجابية ومتفاعلة بصورة تضامنية وتكاملية، كلما كان حظنا من مساحة الوحدة والتوحد هو الأكبر. وكلما تميزت العلاقة بين التاريخ والجغرافيا والسياسة بالضدية وبالحدة والقطيعة أو التصادم، كلما كانت مساحة التجزئة أو التشطير -بالتعبير السياسي السائد اليوم- هي الأكثر حضوراً وتأثيراً، يكون فيه الكيان أو الهوية الحضارية التاريخية للبلاد تحت مسمى اليمن في حالة تنازع وتوتر وقلق وضعف، بعد أن يجري تقاسمه وتوزعه بين كيانات وانتماءات وولاءات عديدة. ومع ذلك بقي اليمن هو الإطار الثقافي/ الحضاري التاريخي الجامع والموحد لجميع اليمنيين، بصرف النظر عن هوياتهم السياسية المحلية أو غيرها…
وما تاريخ الدويلات والسلطنات والإمارات المتعددة في التاريخ السياسي اليمني سوى تجسيد واقعي لتلكم العلاقة التي حددت في الواقع مساحة التجزئة ومساحة الوحدة في التاريخ السياسي والاجتماعي اليمني. وهو ما يعني ويؤكد أن الوحدة والتجزئة قضايا ومفاهيم سياسية اجتماعية ووطنية إشكالية (3)، وليست أموراً اعتقادية أيديولوجية دينية مقدسة؛ أي أن الوحدة قضية سياسية وطنية وليست فريضة شرعية دينية إسلامية… فاليمن هو الهوية الجامعة الموحدة لأبناء الكيانين السياسيين، الجنوبي والشمالي، أي أن ليس هناك كيان سياسي واحد وإنما كيانان جيوسياسيان أحدهما جنوبي والآخر شمالي (4). بل إن هناك أحياناً عدة كيانات أو هويات سياسية محلية –أي دويلات- داخل كل كيان جيوسياسي جنوبي أو شمالي.
وترى بعض كتب التاريخ أن زمن التشطير قد يكون هو الأطول عمراً من زمن التوحيد والوحدة. ونحن هنا لا نتحدث عن الوحدة بالمعنى والمفهوم التاريخي الكلاسيكي القديم؛ وحدة الإقطاع العسكري، وحدة القوة والتغلب والعصبية والشوكة، وحدة المكاربة والأقيال والأذواء (5)، وصولاً إلى وحدة المتوكل على الله إسماعيل 1644-1676م، التي رأت في أبناء الجنوب “كفار تأويل” واعتبرت فتواه الدينية أراضي أبناء الجنوب ومناطقهم أراضي خراجية مفتوحة للنهب والفيد وليست أراضي عشارية لمسلمين.
وعلى الطريق نفسه سارت دولة الإمامة الحميدية في عشرينيات القرن الماضي -بعد تحقيق الاستقلال عن العثمانيين 1918م، الذي تحول على يدي الإمامة الحميدية إلى استقلال شكلي زائف- في تسمية حروبها على تعز/ الحجرية وتهامة والزرانيق بأنها حروب “فتح” و”توحيد” و”جهاد”، وأنهم يجاهدون “كفار تأويل”، وبأيديولوجية التكفير الديني. ومن هنا فقد كان جوهرها وهدفها سياسياً اقتصادياً، احتكاراً للسلطة والثروة، أي توسيعاً للنطاق الجيو/ سياسي (الجغرافي) للإمامة الحميدية… وهي أيديولوجية سياسية دينية لا صلة لها بالدين قدر ارتباطها بالسياسة والحكم. وهي لحظة أيديولوجية تاريخية حرصنا وما نزال نحرص على إعلان وفاتها وموتها، لولا إعادة إنتاجها في شروط سياسية تاريخية مغايرة في حرب 1994م، لها علاقة بالسلطة والثروة والإقصاء السياسي للشريك الجنوبي ولكل الجنوب، بقدر ما تنتفي أية صلة لها بالدين المقدس؛ حيث توحد المسجد بالمعسكر تحت شعار أيديولوجي سياسي “الردة والانفصال”. الردة من منابر المساجد، والانفصال من المعسكرات، تحت شعارات أيديولوجية دينية حزبية ضد الخصم السياسي وليس الديني، والذي تحول بقدرة قادر إلى مرتد وكافر “أيديولوجية التكفير”.
وهي اللحظة الأيديولوجية السياسية التي لم تفارق عقول البعض حتى اللحظة في إعلان الاعتراف الكامل والواضح بالقضية الجنوبية كقضية سياسية، وبالجنوب كطرف سياسي شريك في دولة الوحدة، والاعتذار عن ثقافة تمجيد وتقديس الحروب تحت أي عنوان أو غطاء جهوي أو قبلي أو عسكري أو عقيدي. وذلكم هو المعنى أو المفهوم الأيديولوجي والسياسي في عمقه التاريخي الكامن والرابض في عقل ووجدان البعض حتى اليوم. وهو المصدر الأيديولوجي التاريخي المفسر والكاشف لنظرية أو أيديولوجية الأصل والفرع، وعودة الفرع إلى الأصل والجزء إلى الكل؛ حيث الفرع هو الجنوب والأصل التاريخي هو الشمال كما هو في العقل السياسي عند البعض (الذهنية الإمامية التاريخية والذهنية المشيخية القبلية التي ورثت الإمامة وخاصة من بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967م).
ومن هذا الجذر الأيديولوجي السياسي اشتقت الجماعة الحزبية/ الحربية المتطرفة الفقه السياسي لعملية “الضم والإلحاق” في علاقتهم بالجنوب. ومن هنا تنبري عندهم الضرورة الأيديولوجية السياسية التاريخية لعودة الفرع إلى الأصل ولو بالقوة والحرب، والذي عبّرت عنه قيادة النظام السابق من على منصة السبعين في 27 أبريل 1994م بشعار “الوحدة أو الموت” “الوحدة أو الحرب”، وكذا بالشعار الأيديولوجي العقيدي حرب “الردة والانفصال”، ومن أن الوحدة “فريضة شرعية ودينية إسلامية” (6). وهنا يكمن الجذر والعمق الأيديولوجي التاريخي السلبي في النظر إلى الآخر المغاير المختلف، وخصوصاً في النظر إلى الجنوب، وفي قراءة القضية الجنوبية في امتدادها الزمني الحديث والمعاصر.
إن القضية الجنوبية الراهنة والمعاصرة التي نناقشها ونبحثها وجدت داخل دولة الوحدة 22 مايو 1990م (7)، وظهرت وتشكلت من أنساقها البنيوية، ولا صلة لها مباشرة بذلك التاريخ الأيديولوجي السابق لها الذي تم استدعاؤه لأغراض سياسية حتى يُستكمل البعد العسكري ببعده الأيديولوجي ولكن تحت الغطاء الديني. كما أن القضية الجنوبية اليوم ليست لها صلة بحروب التشطير السابقة بصورة مباشرة، سواء الحروب الشطرية بين الشمال والجنوب سبتمبر 1972م ومارس 1979م، أو تلك الشطرية الداخلية الجنوبية/ الجنوبية (قبل الاستقلال مباشرة أو تلك التي بعد الاستقلال يونيو 1978م وكارثة 13 يناير 1986م)، أو الشمالية/ الشمالية (حدث 21 مارس 1968م في الحديدة، أو أحداث 23-24 أغسطس 1968م في صنعاء، إلى معارك وصراعات المنطقة الوسطى في السبعينيات وبداية الثمانينيات بين السلطة في الشمال والمعارضة المسلحة، وصولاً إلى أحداث الحجرية 1978م حتى أحداث انقلاب 15 أكتوبر 1979م).
فجميعها صراعات سياسية وحروب شطرية داخلية لا صلة لها بالقضية الجنوبية الراهنة، ويجري استحضارها واستدعاؤها ليتم المساواة فيما بين حروب التشطير وخاصة الجنوبية/ الجنوبية وبين حرب 1994م التي أنتجت سياسياً وموضوعياً وتاريخياً القضية الجنوبية التي نبحثها ونناقشها اليوم.
ومن المهم سياسياً ووطنياً حل جميع صراعات التشطير ومعالجتها وبحثها باعتبارها قضايا سياسية وطنية داخل فريق العدالة الانتقالية وضمن قانون العدالة الانتقالية. ولذلك نرى أن القضية الجنوبية في سياقاتها الموضوعية والسياسية الراهنة جاءت كرد فعل سياسي وموضوعي وتاريخي لحرب عام 1994م، وهو أولاً. كما أن القضية الجنوبية الراهنة هي ثانياً: نتاج سياسي وعملي لفشل وعجز النظام السابق في إدارة مشروع الوحدة وسقوطه الذريع في اختبار بناء دولة الوحدة من الأشهر الأولى لإعلان قيامها. ولأنه من الصعب بل من المستحيل لنظام سياسي ينظر للوحدة باعتبارها عملية ضم وإلحاق وعودة الفرع إلى الأصل أن يتمكن من قيادة مشروع وحدة على أي مستوى كان، وهذا ثالثاً. وهو ما تحقق بالفعل على صعيد الممارسة الواقعية؛ حيث بدأت علامات وملامح تحلل النظام وتشظيه وتفككه حتى انفجاره من داخله في صورة الانقسامات والانشقاقات التي شهدناها لاحقاً.
إن القضية الجنوبية الراهنة ومحتواها الأيديولوجي والسياسي المعبر عنها له حيثياته ومعطياته وشروط إنتاجه المختلفة جذرياً عن جميع أشكال الحراك السياسي الجنوبي التاريخية التي عرفها الجنوب منذ المتوكل على الله إسماعيل، حتى مضمون القضية الجنوبية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى تحقيق الاستقلال الوطني الكامل والناجز وإقامة دولة مستقلة وطنية حديثة لأبناء الجنوب اليمني لأول مرة في 30 نوفمبر 1967م، وصولاً إلى وحدة 22 مايو 1990م، وحتى إعلان الحرب المشؤومة على هذه الوحدة في 27/4/1994م، والذي أنتج في شروط رفضها ومقاومتها حالة موضوعية وسياسية جديدة للقضية الجنوبية هي إضافة نوعية سياسية وأيديولوجية وتاريخية لمعنى ومضمون القضية الجنوبية، بل هو إضافة نوعية جديدة لمفهوم الوطنية اليمنية المعاصرة ولمعنى الجيوسياسية الجنوبية والشمالية كل على حدة، على طريق إنتاج مضمون جديد ومعاصر لمعنى الهوية الوطنية اليمنية بعيداً عن أيديولوجية الضم والإلحاق وعودة الفرع إلى الأصل. والفضل في كل ذلك يعود للحراك السياسي السلمي الجنوبي أولاً، وللثورة الشبابية الشعبية ثانياً.
هوامش:
1- انظر حول ذلك موضوع للباحث والمستشرق الروسي سيرجي ينكالايف منشور قسم هام منه في صحيفة الحوار / صنعاء 2/6/2013م العدد رقم (35) صـ 5.
2- أ.د/ ياسين سعيد نعمان، كتيب “القضية الجنوبية، والحراك السياسي والاجتماعي، مسارات… وأحداث” صـ 60 -61.
3- يشير د. أحمد قائد الصايدي في بحث منشور يوم الإثنين 6/5/2013م في عدد من المواقع، منها موقع الاشتراكي نت، وموقع البصرة نت، قائلاً: “فاليمن لم يعرف حدوداً ثابتة بين الكيانات السياسية التي نشأت في أجزاء منه في التاريخ القديم والوسيط والحديث، ولم توضع فيه حدود واضحة إلا في التاريخ المعاصر، وعلى وجه التحديد في القرن العشرين، عندما وقع العثمانيون مع البريطانيين عام 1914م اتفاقية ترسيم الحدود بين منطقة النفوذ العثماني (شمال اليمن) ومنطقة النفوذ البريطاني (المستعمرة عدن ومحمياتها)… اضطر الإمام قبوله كأمر واقع عام 1934م” مع اختلافي مع الفقرة الأخيرة التي حاولت أن تظهر الإمام يحيى وكأنه مهتم ويعنيه أمر توحيد اليمن؛ لأن ما يهم الإمامة المتوكلية الحميدية هو الامتداد السياسي في الجغرافيا كسلطة ونفوذ وثروة، هذا في التاريخ الوسيط والحديث، فما بالكم ونحن نتحدث عن وحدة في التاريخ المعاصر قائمة على أسس ومضامين مختلفة عن جميع الوحدات التقليدية التاريخية القديمة: وحدة الحرب والضم والإلحاق.
4- وحول هذا الموضوع أو هذه الفكرة يشير د. ياسين سعيد نعمان، إلى أنه لم يكن الجنوب تاريخياً جزءاً من الشمال، كما لم يكن الشمال جزءاً من الجنوب، أي أن الكيانين الجيوسياسيين هما من يشكلا المعنى السياسي والتاريخي والحضاري لاسم اليمن، أي الهوية اليمنية، انظر حول ذلك مقابلة مع د. ياسين سعيد نعمان، صحيفة الثوري/ صنعاء.
5- عرف اليمن في تاريخه القديم والوسيط أشكالاً من الوحدات والاتحادات والتوحدات السياسية القديمة، وهي وحدات واتحادات قامت على قاعدة الغلبة والعصبية وفرض الوحدة بالحرب، ومنها أشكال من الاتحادات تأسست على قاعدة “الحرق من الأساس” السبئية لفرض الوحدة، وصولاً إلى حالات من التوحيد اعتمدت وارتكزت على قاعدة التكفير الديني لأبناء الجنوب (الشوافع) كما في عملية التوحيد السياسي التي قادها وقام بها الإمام المتوكل على الله إسماعيل 1644-1676م بجعل مناطق أبناء الجنوب جميعاً (الشافعية) مناطق خراجية (كفار تأويل). وهو نفس الطريق الذي سار عليه لاحقاً بيت حميد الدين بقيادة يحيى حميد الدين حين أوكل إلى بيت الوزير بقيادة علي الوزير عملية حرب على تعز/ الحجرية في عشرينيات القرن الماضي، واعتبرت حربهما على هذه المناطق الممتدة من تعز إلى تهامة وحرب الزرانيق هي حروب “فتح” و”توحيد” و”جهاد” ومجاهدة ضد كفار التأويل في هذه المناطق ومن أجل الوحدة، وهي الوحدات والتوحيدات السياسية التي ما يزال البعض يفخر بها باعتبارها عملية توحيد سياسية ووطنية لهذه المناطق في إطار توحيد اليمن.
6- وكلنا يعلم أن الوحدة والتجزئة -أو الانفصال بالتعبير السياسي السائد اليوم- هما تعبيران أو مفهومان لا صلة لهما بالدين ولا بالشريعة ولا بتطبيق الشريعة الإسلامية. وأستغرب هنا أن يلجأ البعض إلى تأويل بعض النصوص الدينية المقدسة لخدمة أهداف سياسية وحزبية أيديولوجية، مثل تأويل بعضهم لقوله تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…” وكأنه مقصود بالقول الإلهي الوحدة السياسية (السلطة والدولة أو الحاكم الذي يقود إلى توحيد الدولة) وليس المعنى الرباني الذي يشير إلى العصمة من الكفر بتوحيد الله وواحديته ووحدانيته وتوحيده عن الشرك به؛ فالعصمة أو الاعتصام هنا تشير إلى الله وحبله وتوحيده وعصمته عما سواه… فالتأويل الأيديولوجي للنص القرآني لخدمة أهداف وأغراض سياسية وحزبية هو في تقديري لعب بالمعاني وبالدلالات القرآنية لخدمة مصلحة ذاتية سياسية هدفها السلطة والحكم وليس تعظيم الدين والخالق سبحانه وتعالى. ومثل هذا تأويل الأيديولوجي للنص القرآني كثيراً ما نجده حاضراً عند القائلين بأن الإسلام دين ودولة، ونحن هنا نرى مع المفكر الإسلامي جمال البنا رحمه الله وغيره من العلماء الأجلاء، بأن الإسلام دين وأمة وليس دولة وسلطة وحكم.
7- إن التاريخ السياسي والفكري اليمني المعاصر يقول لنا وبوضوح أن الوطنية اليمنية المعاصرة وقضية الوحدة اليمنية بدلالاتها الوطنية الحديثة وفكرة المساواة بين أبناء اليمن جميعاً (في الشمال وفي الجنوب) هي مفردات ومعطيات ومفاهيم ظهرت وتبلورت وتخلقت في جنوب البلاد، وتحديداً في مدينة عدن، وخاصة مع بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي. وكانت مدينة عدن هي الحاضنة والقابلة لإنضاج ونشر وتعميم مثل هذه القيم والمفاهيم والأفكار، وهي البدايات الأولى المعاصرة لفكرة وقضية وحدة اليمن واليمنيين بمعنى الوحدة السلمية الديمقراطية على قاعدة التعددية أو الإقرار والاعتراف بالآخر. فحين فر أو هرب الأحرار اليمنيون بأنفسهم وبأفكارهم كان الجنوب وكانت مدينة عدن هي الحاضنة لهم، وفيها ومنها شكلوا أحزابهم الأولى (حزب الأحرار اليمنيين 1944م ثم الجمعية اليمنية الكبرى 1946م) وصحافتهم المستقلة الحرة المبكرة لأول مرة في تاريخهم السياسي المعاصر (صحيفة “صوت اليمن”). بل إن اليمنيين حين فكروا ببلورة وإنتاج دستور للوحدة كان الجنوب وكانت مدينة عدن هي الأرض الخصبة لذلك. وعندما تعذر عليهم إعلان بيان عدن وكذا إعلان تحقيق الوحدة ورفع علمها ونشيدها، كانت عدن وسماؤها هي المكان السياسي والوطني المؤهل والمناسب لذلك. وكان الضغط الجماهيري والشعبي الحقيقي لتحقيق الوحدة آتياً من كل الجنوب وليس من عدن وحدها. والمفارقة المقابلة لكل ذلك هو ما نشاهده اليوم كرد فعل لمنطق الوحدة بالحرب والدم والغلبة.




