
- بقلم: عبدالكريم الرازحي
في العاصمة أديس أبابا التقيتُه، وقضينا معاً أياماً لا تُنسى. كان جاري وصديقي مروان نعمان حينها سفيراً لليمن في إثيوبيا، وكان قد تكرّم وقدم لي دعوة كريمة لزيارة أديس أبابا، فذهبتُ ونزلتُ في ضيافته مشمولاً بكرمه.
بعد وصولي بأيام، تفاجأتُ بالفنان عبدالرحمن الحداد يهبط مثل ملاك، ويقيم معي في نفس البيت، وكان هو الآخر قد حضر بدعوة كريمة من السفير مروان نعمان. فرحتُ بحضوره المفاجئ والمدهش، خصوصاً وأنه كان أحب فنانٍ إلى قلبي، وأكثر فنان أتمنى اللقاء به. كنتُ قد شعرتُ حين قابلته لأول مرة في أروقة وزارة الإعلام والثقافة أنه فنان مكتمل: وسامة، ورشاقة، وصوت، وصورة، وذوق، وأدب، وهندام؛ يعرف كيف يتكلم، وكيف يلبس، وكيف يظهر بمظهر فنان وإنسان، يفعل كل ذلك بسهولة وبدون أن يتصنع أو يبذل جهداً.
لكن ما شدني إليه هو أن أول أغنية سمعتها له هي أغنية “حرام عليك تقفل الشباك”. أيامها كانت أيام انفتاح، الزمن منفتح، والأبواب والنوافذ والشبابيك مفتوحة، والقلوب كذلك مفتوحة للحب، وحتى أبواب السماء كانت هي الأخرى مفتوحة لدعوات العشاق والمحبين وللناس الطيبين. وحين كنا نخرج للتمشية، نخرج وعيوننا على الجميلات وهن “يتخاوصن” من شبابيك بيوتهن. وفي زمن الانفتاح، كان إقفال الشبابيك من “التابوهات” والمحرمات، والبنت التي تقفل الشباك تجد من يعاتبها ويلومها ويغني لها أغنية الفنان عبدالرحمن الحداد: “حرام عليك تقفل الشباك”.
وفي أديس أبابا، حدّثتُ الفنان الوسيم عبدالرحمن الحداد عن أغنيته تلك، وكيف أن صاحبة البيت بسببها أقفلت الباب في وجهي، وأقفلت الشباك وتركتني في الشارع وفي عز البرد! كنتُ قد استأجرتُ منها غرفة بحمام وسط الحوش، وكانت غرفة نوم بنتها تطل على غرفتي، ولأني كنتُ قد وقعتُ في حبها، كنتُ في الليل أغني لها أغاني كثيرة كي أتسلل إلى قلبها، وأكثر أغنية كنتُ أغنيها لها هي أغنية: “حرام عليك تقفل الشباك”.
وذات شتاء في صنعاء، والبرد في أشده، كانت البنت في الليل تغلق الشباك، وكنتُ أشعر بالبرد كلما أبصرتُ الشباك مغلقاً، وحتى يرق قلبها كنتُ أغني لها أغنية الشباك، وأواصل الغناء.. وذات ليلة واصلتُ الغناء إلى أن أشرقت الشمس!
وفي مساء ذات ليلة شديدة البرودة، والبرد كأنه المسامير، تفاجأتُ عند عودتي أن الباب مغلقٌ من الداخل، وكانت العادة أنني أسحب الخيط والباب ينفتح مباشرة وأدخل إلى غرفتي في حوش البيت. ليلتها وقد وجدتُ الباب مغلقاً، رُحتُ أنادي صاحبة البيت لكي تفتح لي، وحين أطلت من النافذة، فاجأتني بقولها إن عليّ أن أبحث لي عن مكان آخر أنام فيه!
قلتُ لها وأسناني تصطك من البرد: “ليل يا خالة حورية، والدنيا برد، والشهر ما كمّل، وباقي لي ثلاثة أيام لنهاية الشهر”، لكنها أصرت على كلامها، وبالمناسبة (لي مع المؤجرين في صنعاء تجربة مريرة، وبالأخص مع المؤجرات). رُحتُ أتوسل إليها أن تفتح لي وتتركني أنام على أن أغادر في الصباح الباكر، وكانت ترفض وتصر، وفي الأخير قلتُ لها:
_ “طيب يا خالة حورية.. أدخل آخذ ملابسي وكتبي وأغراضي”.
ولحظتها، سحبت نفسها من الشباك وتوارت، وظننتها نزلت لتفتح لي الباب وفرحت، لكنها مالبثت أن عادت وألقت لي بالفرش والملابس والكتب من الشباك وكأنها تلقي بنفايات!
كان الفنان عبدالرحمن الحداد قد راح يضحك من حكايتي مع صاحبة البيت وقال يسألني:
_ طيب إيش كان موقف بنتها؟ هل كانت تحبك؟ قلتُ له: لا أعرف إن كانت تحبني أم لا.. ولم تقل لي، لكنها كانت تفتح لي الشباك، وحين تزعل مني تقفل الشباك.




