
- بقلم: منصور السروري
عندما يتربع فنان على عرش النجومية العربية لأكثر من ثلاثة عقود متتالية، يصبح من الطبيعي أن تُحصى عليه أنفاسه، وتتحول كل حركة من حركاته إلى مادة للجدل والنقاش والتأويل.
لكن ما شهده الوسط الفني مؤخراً من حملات هجومية شرسة استهدفت قيصر الغناء العربي، الفنان العراقي الكبير كاظم الساهر، يتجاوز حدود النقد الفني المألوف والمشروع ليصل، بكل أسف، إلى منطقة تصفية الحسابات التاريخية، وغيرة الأجيال، ومحاولة النيل من قامة فنية استثنائية.
لقد انطلقت الشرارة الأولى لهذه الحملة الأخيرة عقب استضافة القيصر في برنامج البودكاست الشهير “ABtalks” مع الإعلامي أنس بوخش، حيث تحدث بعفوية إنسانية مفرطة، وبكثير من الشجن، عن كواليس زيارة قديمة قام بها لمنزل جارة القمر، السيدة فيروز.
في ذلك اللقاء العفوي، كشف الساهر لأول مرة عن جانب إنساني عميق، معبراً عن شعوره بالألم النفسي جراء رؤيته للعزلة المفروضة على السيدة فيروز، معتبراً أن الشهرة الطاغية تحولت في حياة هذه القامة الكبيرة إلى ما يشبه “السجن” الذي يحرم الفنان من عيش تفاصيل حياته ببساطة كباقي البشر؛ لحماية صورته المقدسة في أعين الجمهور.
ورغم أن حديث الساهر كان ينضح بالتعاطف الإنساني الشديد، والتقدير والمحبة والتبجيل لهذه القامة اللبنانية والعربية العظيمة، إلا أن شريحة من الجمهور والنقاد، لاسيما من محبي السيدة فيروز، اعتبروا تصريحاته زلة لسان، وإسقاطاً غير موفق لهواجسه ومخاوفه الشخصية من العزلة على حياة فنانة اختارت الابتعاد بكامل إرادتها بحثاً عن السلام الداخلي.
ولم يقف الأمر عند حدود هذا الانقسام الجماهيري الطبيعي على منصات التواصل الاجتماعي، بل استغلت أطراف فنية عراقية هذا التفاعل الساخن لتفتح النار على الساهر، وتعيد إحياء خصومات فنية وتاريخية قديمة رقدت لسنوات تحت رماد السنين والتحولات السياسية.
وكان من أبرز الأصوات التي قادت هذا الهجوم المضاد، المطرب والملحن العراقي مظفر منصور، والفنانون صلاح حسن وبسام مهدي، الذين وجهوا اتهامات قاسية ومباشرة للقيصر، تشكك في هويته الفنية، وعطائه الموسيقي، بل وفي شرعية تمثيله للأغنية العراقية.
إذ التقت هذه الأصوات على نغمة واحدة ومكررة مفادها أن كاظم الساهر انسلخ من هويته الفنية العراقية، وتخلى عن الأطوار والمقامات التراثية والبيئة الشعبية التي نشأ فيها، لصالح القصائد الفصحى واللهجة البيضاء بهدف التسويق التجاري والعربي، متهمين إياه بالعزلة التامة عن دعم المواهب الشابة والوسط الفني داخل وطنه الأم.
بل إن الملحن مظفر منصور ذهب إلى أبعد من ذلك حين شكك في العبقرية التلحينية للساهر، معتبراً في تصريحاته أن ألحانه كلاسيكية ومكررة، وأنه فنان ذكي عرف كيف يستغل قصائد الشاعر الكبير نزار قباني لبناء مجده الشخصي، متناسياً الدعم الذي تلقاه في بداياته من أساتذة الموسيقى والملحنين الكبار في العراق.
لكن الذروة الحقيقية لهذا الهجوم تمثلت في التصريحات الصادمة التي أدلى بها الفنان العراقي الكبير حميد منصور، أحد أبرز عمالقة جيل السبعينيات الذهبي، وصاحب الروائع الخالدة مثل “يم داركم” و”سلامات”.
حيث فجر حميد منصور مفاجأة مدوية عندما أعلن صراحة في لقاء تلفزيوني ممتد أنه لا يستمع لكاظم الساهر، وأن صوته لا يطربه بل يراه معتمداً على “الصراخ” والعُرَب الصوتية الزائدة، مسقطاً عنه برأيه أحقية حمل لقب “سفير الأغنية العراقية”، ومفضلاً عليه أسماء من الرعيل الأول كصوت ياس خضر وحسين نعمة.
إن المتأمل الحصيف في طبيعة هذا الهجوم الشرس، وخاصة ذلك القادم من قامات جيل السبعينيات كالفنان حميد منصور، يدرك بوضوح وبما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الحملة تنطوي على غيرة غريزية من النجاح الساحق والاستثنائي الذي حققه كاظم الساهر على مدار تاريخه الفني.
فهي تجسيد حي ومكرر لما يُعرف في الأوساط الثقافية والفنية بـ “عقدة الجيل القديم” تجاه النجم الذي ظهر في ظروف بالغة التعقيد، وتمكن بمفرده من تجاوز المحلية الضيقة، ليحقق انتشاراً كونياً وعربياً جارفاً عجزت عن تحقيقه الأجيال التي سبقت بكل ما ملكت من إمكانات.
ومع كل الاحترام والتقدير والتجليل لتاريخ جيل السبعينيات في العراق، ولأصواتهم الدافئة والعميقة التي صاغت وجدان الأغنية العراقية بصدق، إلا أن نجوميتهم بقيت، بحكم الخيارات والظروف، محصورة في إطار محلي عراقي أو خليجي محدود، ولم تخترق الوجدان العربي الجمعي من المحيط إلى الخليج.
ومن المفارقات الصارخة والعجيبة في هذا السياق، أن بعض المهاجمين يحاولون دائماً الاستقواء بأسماء الرعيل الأول وتراثهم لضرب شرعية الساهر الفنية، متناسين أن قامات السبعينيات والستينيات السامقة، وأعمدتها التاريخية الحقيقية، كانوا وما زالوا من أشد المحبين والمعجبين والمدافعين عن تجربة كاظم الساهر.
ويبرز هنا اسم “صوت الأرض” العراقي، الفنان الراحل الكبير ياس خضر، الذي كان يمتلك إنصاف الكبار ونقاء المبدعين؛ فلم يجد غضاضة وهو الهرم السبعيني الراسخ أن يشيد علناً بعبقرية الساهر وفرادته الموسيقية، بل وتوّج هذا الإعجاب المتبادل بالتعاون الفني المباشر معه.
حيث غنى ياس خضر من ألحان القيصر كاظم الساهر روائع فنية متميزة في تسعينيات القرن الماضي، كان أبرزها أغنية “تسيّر علينا الهوى”، في التفاتة تاريخية كبرى تثبت أن عمالقة الفن الحقيقيين كانوا ويرون في كاظم امتداداً شرعياً أصيلاً ومجدداً ذكياً للأغنية العراقية، وليس غريباً عنها أو منسلخاً من جذورها.
وفي ذات السياق المنصف والنقي، يقف الفنان الكبير والقامة الفراتية السامقة سعدون جابر، بمحبته المعلنة واعتزازه البالغ بشخص القيصر وفنه، وهو الذي طوّف بالأغنية العراقية عربياً في مراحل سابقة، حيث صرح في مواقف عديدة بمدى إعجابه بمشروع الساهر، معتبراً أن نجاح كاظم وعالميته هما فخر للأغنية العراقية برمتها وتاج على رأسها.
هذه الشهادات التاريخية والمواقف الأخلاقية الرفيعة من قامات بحجم ياس خضر وسعدون جابر، تُسقط تماماً حجة “الانسلاخ عن الهوية والتراث” التي يتحجج بها المهاجمون، وتؤكد أن الخلاف الحقيقي ليس خلافاً على “عراقية” الفن، بل هو أزمة قراءة وضيق أفق ونفسية متأزمة لدى البعض، مقابل رحابة وإنصاف ووعي فني عميق لدى الكبار الحقيقيين.
في المقابل، استطاع كاظم الساهر أن يكسر كل الحدود الجغرافية والنمطية الضيقة، ليتحول إلى ظاهرة عربية وعالمية عابرة للقارات، تصدح ألحانه الشجية ومقاماته المبتكرة على مسارح “أوبرا باريس”، وقاعة “ألبرت هول” التاريخية في لندن، و”مهرجانات بيت الدين” وقرطاج، حاملاً معه الروح والشجن العراقي إلى كل بقاع الأرض.
هذا التباين الشاسع في حجم النجومية، والانتشار، والتأثير الطاغي على وجدان الجمهور، يولد بطبيعة الحال نوعاً من المرارة النفسية الخفية لدى بعض أبناء الجيل الأسبق، الذين يرون في أنفسهم خامات صوتية قوية وأصيلة، لكن قطار العالمية والبريق الدولي مر بمحطتهم دون أن يلتفت إليهم.
ومن هنا، يأتي السعي الدائم لاختزال هذا النجاح الأسطوري والتقليل منه عبر ردّه إلى عوامل خارجية مجردة، مثل “الذكاء التسويقي البحت”، أو “استغلال قصائد نزار قباني”، أو “الظروف السياسية والحروب التي سهلت خروجه من العراق في تسعينيات القرن الماضي”.
إن محاولة تصوير نجاح القيصر كضربة حظ، أو كنافذة فتحتها له الظروف السياسية، هي حيلة دفاعية نفسية كلاسيكية يلجأ إليها المنتقدون؛ لإيهام أنفسهم بأن تفوق الآخر لم يكن بسبب تفوق عبقريته الفنية وتفرده الإبداعي، بل بفضل عوامل مساعدة خارجية غابت عن واقعهم هم.
والحقيقة الإبداعية الدامغة التي لا يمكن طمسها بغربال الهجوم هي أن كاظم الساهر لا يمثل مجرد مطرب ناجح، بل هو “مشروع فني متكامل” وشديد الخصوصية، تطلب عقوداً من الجهد العبقري في التلحين، والصقل المستمر للموهبة، والثقافة الموسيقية الواسعة، والقدرة الفائقة على إدارة النجومية في أحلك الظروف.
أما وصف صوت القيصر بـ “الصراخ” وأنه يفتقر إلى حس الطرب، فهو حكم عاطفي متطرف يفتقر إلى أدنى مستويات العلمية والموضوعية والإنصاف الفني، ويوضح بجلاء أن الدافع الكامن وراءه هو موقف نفسي مسبق يرفض الاعتراف بهذه النجومية الاستثنائية من أساسها.
فالساهر يمتلك مساحة صوتية واسعة ومبهرة من طبقة “التينور” الدرامي، مكنته عبر تاريخه من التنقل بمرونة مذهلة وعلمية دقيقة بين المقامات الموسيقية الشرقية الصعبة، فضلاً عن قدرته التعبيرية والدرامية الفائقة التي تجعل المستمع يعيش الكلمة المغناة بكل جوارحه وكأنه يرى نصاً مسرحياً متحركاً.
إن كاظم الساهر هو الفنان الحقيقي الذي أعاد للغناء العربي اعتباره، وقيمته، وهيبته، ورصانته في زمن التراجع، وتحديداً بعد رحيل جيل العمالقة الأوائل الذين أثروا الموسيقى العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، وبليغ حمدي.
فعندما دخلت الموسيقى العربية نفق الأغاني الاستهلاكية السريعة في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، وهبطت الكلمة وتراجعت الجملة اللحنية، وقف الساهر كالسد المنيع وحيداً، حاملاً لواء القصيدة الفصحى واللحن الرصين والتوزيع الأوركسترالي المبهر؛ ليعيد صياغة وترقية ذائقة المستمع العربي التي كادت تفسدها موجات الهبوط.
تتجلى فرادة كاظم الساهر في كونه المجدد الأكبر للأغنية العراقية؛ فهو لم يتنكر للتراث كما يزعم المهاجمون، بل أخذ هذا التراث والمقام العراقي الصعب والمغرق في الحزن والمحلية، وقام بتهذيبه وتطويره بنيوياً، صاباً إياه في قالب تعبيري حديث استساغته الأذن العربية في كل مكان.
لقد فكك الساهر شفرة “المقام العراقي” المعقد، وجرده من جموده الأكاديمي الصارم دون أن يفقده روحه وشجنه، وقدمه في روائع مثل “شجرتها”، و”مدرسة الحب”، و”قولي أحبك”، مستخدماً إيقاعات عراقية أصيلة كإيقاع “الهيوا” و”الجوبي” بطرق حداثية أذهلت الموسيقيين.
ولم يقتصر تجديده على الأغنية العراقية فحسب، بل أحدث ثورة شاملة في الأغنية الشرقية ككل؛ حيث أعاد إحياء “المونولوج الدرامي” والقصيدة الطويلة السيمفونية التي كادت تختفي برحيل رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب، مقدماً روائع ملحمية مثل “طوق الياسمين”، و”أنا وليلى”، و”الحب المستحيل”.
لقد نجح الساهر في دمج الآلات الشرقية الأصيلة كالقانون والعود والناي، مع التوزيع الأوركسترالي الغربي الضخم والآلات النحاسية والهارموني العالمي، صانعاً هوية بصرية وموسيقية فريدة جعلت الغرب قبل الشرق ينصت بذهول للموسيقى العربية الحديثة.
إن اتهام الساهر بالانسلاخ عن هويته العراقية هو قراءة قاصرة وسطحية؛ فالشجن العراقي، والتأوه الصادق، والوجع الممتد من الرافدين هو الروح الساكنة في أعماق كل قصيدة غناها، وهو الذي جعل العالم العربي بأسره يبكي مع مواويله ويعشق بكلماته.
لقد جعل القيصر الملايين من المحيط إلى الخليج يرددون بلكنة وإحساس عراقي خالص روائع مثل “عبرت الشط”، و”غسالة موج البحر”، و”ها حبيبي”، محولاً الأغنية العراقية من دائرتها الإقليمية الضيقة إلى فضاء العالمية الرحب دون أن يفقدها قطرة واحدة من أصالتها.
إن صراع “الشرعية الفنية” الذي يحاول بعض فناني الجيل القديم فرضه اليوم، والادعاء بأنهم الحراس الحصريون للهوية والتراث، يسقط تاريخياً أمام الحقيقة التي تؤكد أن التطوير والتجديد المستمر هما سر بقاء أي تراث وحمايته من الاندثار، وهو ما فعله كاظم بكل اقتدار وشجاعة موسيقية.
فالجمهور العربي العريض لم يلتف حول الساهر لعقود من الزمن بناء على حملات تسويقية أو مظهر خارجي، بل لأنه وجد فيه حارس الأغنية العربية الأصيلة، والفنان الملتزم بمشروعه النخبوي الذي يرفض التنازل عن الجودة والقيمة الفنية مهما بلغت الإغراءات التجارية.
إن التزام الساهر بتقديم الفن الراقي، واحترامه لعقلية ووجدان مستمعيه، وجرأته في تلحين أصعب النصوص الشعرية لنزار قباني، وبدر شاكر السياب، وجبران خليل جبران، جعل منه مدرسة فنية قائمة بذاتها تُدرّس للأجيال القادمة في كيفية الموازنة بين الأصالة والحداثة.
وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ الموسيقي والجمهور الوفي هما الحكم الأوحد والفيصل الحقيقي في تقييم المبدعين والعباقرة، حيث تذهب حملات التشويه، وتصريحات الغيرة، ومحاولات التقليل، وتذروها الرياح كأن لم تكن بين طيات النسيان.
بينما يبقى صوت كاظم الساهر، وألحانه الخالدة، ومكانته الراسخة كحارس أمين للأغنية العربية، الرد العملي الحاسم والمنصف الذي يثبت أن القيصر لم يصل إلى عرشه بالصدفة أو بضربة حظ، بل توجته عبقريته الفنية الاستثنائية ملكاً غير متوج على مملكة الإبداع الموسيقي العربي.




