
- بقلم: د. قاسم المحبشي
في لحظةٍ تختنق فيها اللغة من هول ما ترى، تقف الكلمات على حافة العجز، كأنها تخجل من نفسها أمام مشهدٍ لا يليق بالبشر. طفلةٌ لم تتجاوز عتبة الطفولة، وجدت نفسها مطاردة من كل الجهات: من زوجٍ يكبرها بسبعة أضعاف عمرها، من قضاءٍ أعادها إلى قفصٍ لم تختره، من بيتٍ كان يفترض أن يكون ملاذًا فإذا به يتحول إلى امتدادٍ للقيد. لم تجد في الأرض موطئًا آمنًا، فرفعت رأسها إلى السماء، كأنها تبحث عن عدالةٍ لم تجدها هنا. كتبت احدهن في وصف المشهد:
” حتى وهي ذاهبةٌ إلى الموت،
لم تنسَ أن تُحكِم غطاءها.
مضت نحو الغيهب بكامل حشمتها،
كي يبقى الشرفُ الرفيعُ مصونًا من الأذى.
أي مفارقةٍ هذه التي تجعل طفلةً في لحظة فزعها الأخيرة تفكر في “الستر” أكثر مما يفكر العالم في حياتها؟ أي ثقافةٍ تلك التي تُحمّل الجسد الصغير عبء الشرف، ثم تتركه يسقط بلا رحمة؟
تبا يا يمن…
ألا تكفّ عن إهدائنا الوجع بُكرةً وعشيًّا؟
ما يحدث هناك لا يُوصَف؛
تلك البلاد لم تعد تُحتمل،
بل تستحق أن تُعلَن منطقةً منكوبة.
بلادٌ يُصان فيها الشرف حتى في حضرة الموت،
ولا تُصان فيها الحياة”
لم تكن تلك الطفلة تبحث عن نهاية، بل عن بدايةٍ أخرى. عن حياةٍ لم تُفرض عليها، عن جسدٍ لا يُنتزع منها، عن معنى بسيط: أن تكون إنسانًا. لكنها، حين حوصرت، لم تجد سوى الفراغ، فاختارت أن تقفز نحوه، كأنها تقول إن الموت، في بعض الأحيان، أقل قسوة من حياةٍ تُفرض بالقوة.
غير أن هذه المأساة المؤلمة ، على فداحتها، ليست استثناءً، بل هي تعبير مكثف عن بنية أوسع. فزواج القاصرات في اليمن—كما تشير تقارير دولية—ليس حادثًا فرديًا، بل ظاهرة ترتبط بالفقر، وعدم المساواة، وانعدام الأمن، وهي عوامل تتفاقم في البيئات الهشة والمغلقة . في مثل هذه الظروف، لا يُنظر إلى الطفلة بوصفها إنسانًا في طور التكوين، بل كعبء يمكن التخلص منه، أو كجسد يُستثمر ضمن منظومة اجتماعية مختلة. وليس هو السؤال هنا هو ماذا يفكر الناس ويعتقدون ويفعلون؟ بل لماذا يفعلون ما يفعلونه؟ ولماذا تتكرر أنماط العنف والوصاية وكأنها قدرٌ أبدي؟ ذلك أن الأيديولوجيا – كما يُقال – تجعل الناس “يفكرون بأقدامهم”، أي انطلاقًا من إرثٍ موروث غير مفكَّر فيه، لا من عقل نقدي حر. وحينما يتكرر السلوك يتحوّل عادة، وما يترسخ من العادات يتحول ثقافة؛ والثقافة – بالمعنى الأنثروبولوجي – هي ما يبقى من الإنسان بعد أن ينسى كل شيء ولذلك ففهم العنف ضد المرأة لا يبدأ من تتبع مظاهره، بل من مساءلة جذوره العميقة في اللغة واللاوعي الجمعي والقيم المترسبة عبر القرون. فالعنف في مجتمعاتنا ليس حادثًا؛ إنه بنية تاريخية صنعتها السلطة والوصاية والخوف، وتمت صيانتها عبر مؤسساتٍ تستخدم المقدس لتثبيت الدنيوي، وتوظّف الوعّاظ لصناعة القبول الاجتماعي بالقمع إذ إن الأفكار لا تولد في الفراغ، بل هي انعكاس لشروط الحياة وأنماط العلاقات. وما يمارسه الناس ليس دائمًا نتيجة تفكيرٍ حر، بل غالبًا نتيجة إرثٍ ثقافي غير مفكَّر فيه. الأيديولوجيا، في هذا السياق، لا تُقنع بقدر ما تُبرمج؛ تجعل الإنسان يعيد إنتاج ما ورثه دون مساءلة. وحين يتكرر السلوك، يتحول إلى عادة، وما يترسخ من العادات يتحول إلى ثقافة، والثقافة—في معناها العميق—هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء!
فالعنف ضد المرأة لا يبدأ بالفعل، بل يبدأ في الفكرة. في تلك اللحظة التي يُنظر فيها إلى الأنثى بوصفها أقل، أو تابعة، أو قابلة للوصاية. يبدأ في اللغة التي تُصغرها، في التربية التي تُقيدها، في القوانين التي لا تحميها، في المجتمع الذي يراقبها أكثر مما يحميها وفي غياب مؤسسات الدولة العادلة، تتحول الحياة إلى فوضى مقنّعة. تظهر سلطات صغيرة في كل مكان: الأب، الأخ، الزوج، الشيخ، الجماعة. كلهم يصبحون “حراسًا”، لكنهم لا يحرسون الإنسان، بل يحرسون صورةً متخيلة عنه. حراس للأجساد، للأخلاق، للكلام، لكل شيء، إلا الكرامة إذ يمكن لطفلة أن تُجبر على الزواج، وأن تُعاد بالقوة إلى من لا تريده، وأن تُحرم من أبسط حقوقها، دون أن يهتز النظام. لأن المشكلة ليست في الحادثة، بل في البنية التي تسمح بحدوثها.
ربما حدثت وتحدث كل يوم عشرات الماسيّ مثل تلك التي حدث أمس في محافظة حجة شمال اليمن فكم هن ضحايا العنف الصامت في مجتمعاتنا العربية غير ما التغيير الذي جرى اليوم، ولو ببطء، هو أن هذه البنية لم تعد قادرة على الاختباء كما كانت في ظلام الجريمة المخفية . لقد جاء التحول الرقمي، ومعه الذكاء الاصطناعي، ليضع المجتمعات أمام مرآةٍ لا ترحم. لم تعد القصص تُدفن، ولا المآسي تُخفى، بل تنتشر، تُوثق، وتُناقش، وتتحول إلى وعيٍ عالمي.، ربما كانت هذه الطفلة ستختفي في صمت، كأنها لم تكن. أما اليوم، فإن قصتها تعبر الحدود، تُقرأ بوصفها جزءًا من نمطٍ أوسع من العنف. هنا، لا يخلق الذكاء الاصطناعي الواقع، لكنه يكشفه. يرصد التكرار، يحلل الخطاب، يفضح البنية التي تحاول أن تبدو “طبيعية؛ إن هذه التقنيات، بقدرتها على تحليل الخطابات والتفاعلات، تكشف كيف تُعاد إنتاج لغة القمع، وكيف يتحول “الشرف” إلى أداة للسيطرة، وكيف تُصاغ القناعة الجماعية حول ما هو في حقيقته ظلم. لكنها، في الوقت نفسه، تمنح الأفراد فرصةً لاستعادة أصواتهم، لكسر الصمت، لقول “لا” في وجه ما كان يُفرض كقدر ورغم اهمية التكنولوجيا فإنها ليست خلاصًا بحد ذاتها. فهي أداة، يمكن أن تُستخدم للتحرير أو للقمع. لذلك، فإن الرهان الحقيقي يبقى على الوعي: على قدرة الإنسان على أن يرى، أن يفهم، أن يشك، أن يعيد النظر.
وقد سبق ونشرت دراسة عن مخاطر العنف ضد المرأة اكدت فيها إن العنف ضد المرأة يبدأ قبل الولادة، في تلك اللحظة التي يُتمنى فيها الذكر. يستمر في التربية، في التعليم، في اللغة، في القانون، في كل تفاصيل الحياة. وهو عنف رمزي ومادي معًا، يمتد من الإقصاء إلى القتل ومن ثم، فإن مواجهته ليست معركة ضد ظاهرة، بل ضد بنية كاملة. ضد الخوف، وضد الوصاية، وضد تحويل المقدس إلى أداة للسيطرة. وهي، قبل كل شيء، معركة من أجل إعادة تعريف الإنسان.
فالفضيلة ليست في ستر الجسد، بل في ستر الضعيف. والأخلاق ليست في طول الثوب، بل في عمق الرحمة. والمجتمع الذي ينشغل بمراقبة النساء أكثر من حماية حياتهن، هو مجتمع فقد معناه وفي قلب هذا كله، تبقى المرأة ليست قضية، بل مركزًا. فهي ليست نصف المجتمع فقط، بل شرط وجوده. منها يولد الإنسان، وفي حضنها يتشكل، وبوجودها تستمر الحياة. وكل حديث عن تنمية دونها، هو حديث ناقص.
وفي زمنٍ لم يعد فيه شيء مخفيًا، لم يعد ممكنًا تجاهل هذه الحقيقة. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: ماذا سنفعل بما نعرفه؟
- الصورة المرفقة لفتاة يمنية في محافظة حجة وهي تلقي بنفسها من على سطح منزلها.




