- محمود ياسين
يقال أن تشيخوف كان مثالا تقريبيا لفكرة الفنان الإناء ،إناء العاطفة وآلام الشخصيات التي يبتكرها بدرجة مقاربة لمصائر بشر حقيقيون ، يطبخها يعيدها يولم ببذخ وفي قاع الإناء تترسب خلاصة معاناة كل الشخصيات .
ما يؤرقني حقا هو ان اكثر الكتاب براعة لم يعيشوا حياة مرحة ، كانوا يعيشون في لا وعيهم
حالة استسلام لهذا اللاوعي فيتدفق ويذهل العالم ، لكنهم لم يكونوا سعداء في حياتهم . علاقاتهم فاشلة من كونها عاطفية اكثر مما يحتمل الاخر والواقع الذي يتطلب التسويات
غالبا ما انتهوا وحيدين ذهانيين ، على قدر من العصابية الصامته
كافكا مثلا ، هذا الروائي الذي صدم أوروبا بتساؤل المسخ ، غريغوري الذي استيقظ ذات صباح وهو على هيئة صرصور بدلا من القلق على وجوده راح غريغوري يتسائل : كيف اذهب الى العمل بهذه الهيئة ؟
كأن الوعي الحشراتي الباطن داخل كافكا قد أفصح عن نفسه من خلال انمساخ غريغوري مامسا ، احساس كافكا العارم بالنبذ العائلي وكأنه ذلك المشهد من رواية المسخ حيث يسمع من وراء الباب جدلا بين أمه التي تتكلف امومة زيارة ابنها ولو كان حشرة ضخمة ويراجعها الأب والاخت بجملة حجج سمعها غريغوري الحشرة ووجد انها مقنعة وزحف الى مكانه في الركن .
لم اشعل سيجارة عند هذه الجزئية كما اعتدت عند الذهول صارخا : كافكا يا ابن ال ، تدفقت دموعي فحسب ، عندما يقتنع الكائن بمبررات نبذه .
أنا أحاجج أن الرواية ليست سيرة ذاتية ، وأن العالم أفرط مع كافكا أكثر من أي روائي آخر في قراءة نتاجه الروائي على انه تنويعات من سيرة ذاتية لنبي الألم ، وها أنا اقرأ غريغوري على أنه الحشرة التي زحفت من داخل كافكا .
حقائق مذهلة كتبت بافتتان ، أدهش العالم ونكأ جرحه ، كان عظيما وتعيسا .
العروض الخفيفة المدهشة وتزييف حقائق الوعي الباطن بتسطيح الوجود وتلوينه بالمرح المراهق أجدى من العظمة المأساوية.
هنري جيمس مات وحيدا في بيته أسفل التلة ، وقد انجز روائع ملهمة ، غنائم بوانتن وربة المأساة مثلا ، موت متألم عظيم بقي مخلصا للفن كمن يضع حياته بتصرف تجربة عاطفية مزيج من كل العواطف ، بينما كان ويلز المرح يسافر ويؤلف تنبؤات وكتبا اقرب لذائقة المستهلك الشغوف بالمغامرات ، كان ويلز شهيرا وثريا ومحظوظا وعلى قدر من السطحية والاستعداد لتلبية توقعات السوق .
يمكن تقريب الأمر بشخصية من مسرح هنري جيمس ، فتاة تتخلى عن حقها في البهجة قربانا للفن .
اغمضت عينيها تلك اللحظة بتلك الحالة من تمجيد الخسران انتقاما من سطحية الوجود البشري برمته .
في مرحلة ما من حياتك يجدر بك الإصغاء قليلا لمنظري التنمية البشرية ، كأن تقرأ ” شوربة دجاج للحياة ” .
كتاب تافه لكنه مفيد للغاية .




