- عبده منصور المحمودي
البحرُ
أسبقُ مَحْوًا لآثارِ الحروبِ
منَ اليابِسةْ،
أسبقُ احتفاءً بالحياةِ
من الإنسانِ المانحِ الحربَ أسبابَها.
سرعانَ ما يغتسلُ البحرُ
من نَزَقِ البارود،
ويستأنفُ عادتَهُ
في تدوينِ يوميّاتهِ
وخواطرهِ الزرقاءِ.
أقرأُ كلَّ سطرٍ من أمواجهِ،
في لحظةٍ أثْمَلَتْني بموسيقاه،
وهو يكتبُ باقةً من أُغنِيّاتهِ المسائيةْ،
ألتقطُ كلَّ خاطرةٍ يتهادى بها المدُّ نحوي
قبل أن:
يستعيدَها جَزْرُهُ
كفكرةٍ لم ينتهِ الموجُ ـ بَعْدُ ـ
من صياغتها الأخيرةِ،
أو تتكسَّرَ في الرملِ،
كعاشقةٍ آلَ بها الإغواءُ
إلى سبخةٍ أرهقها انتحالُها
صفة المرايا الآمنةْ.
نشوةُ الساهمينَ في رؤى البحرِ
ـ المتناسلةِ فيهِ امتدادًا وارتكاسًا ـ
تَتَخَطَّفُها الأنثى:
تارةً، في تمايُلِ سطورِ الماءِ؛
لتسْكُنَ لذعةُ الحبرِ
كلَّ زاويةٍ من حنايا الأرغفةْ.
وأخرى، في خواصرهِ؛
حيثما تُؤَرْجِحُ أمٌّ طفلَها،
وحيثُ يُؤرْجِحهُنَّ الصبا المحمومُ،
أو تجمعَهُنَّ ثرثرةٌ
على طاولةٍ، يتساقطُ فوقها
ـ من نافذةٍ عاليةٍ ـ
قلبٌ غريبٌ
متخمٌ بلذة التأويل البعيدِ،
لما لم يسمعْهُ من حديث الطاولةْ.
إلى صفحاتِ البحر
يتقاطرُ الليلُ
سِرْبًا من حنينٍ
وذكرياتٍ متصاديةٍ،
يتخلَّقُ بي معنى موجةٍ جديدةٍ،
يتأبَّطُها سطرٌ مائيٌّ جديدٌ،
عليه الرياحُ تنشرُ
كلَّ ما يشتهيهِ ابنُ نوحٍ،
وهو يمضي بسفينتهِ:
نحو ما لم تطأهُ مجاذيفُهمْ،
نحو ما لم يصلْ إليهِ القادمونَ
من زهو البداياتِ،
نحو ما لم تلْتَقِطْهُ أناملُ الموجِ،
نحو ما اختَزَلَتْه تدوينةُ البحرِ
ولحظتُها ـ هذه ـ الخاطفةُ،
كزوبعةٍ
لم تستوعبْ دفاترُ الماءِ التمرُّدَ في أخاديدها،
كموجةٍ
لم تخطر على بال نهرٍ أو سحابةْ.



