- كتب: أنور العنسي
مثل ذلك الموسم الذي عبَرَ في حياتي لم يمر فصلٌ كـ “عبداللطيف الربيع” الشاعر الهازئ بقوالب التفكير التليدة ، مهندس اللغة والأفكار ، الساخر من كل نمطٍ مملٍ في الحياة.
عاش عبداللطيف بيننا أكثر من حياة فينا ، كان أكثر من إنسانٍ واحد، شاعراً، كاتب عمود ساخرً ، رسّاماً، مهندساً معمارياً ، ومثقفاً سياسياً ، وآخرين ، آخرين ، نعم آخرين ، رجلاً مازحاً ، شعبوياً ، فضولياً ، لكن “الإنسان” في كل هؤلاء كان هو القابع المتسيد في عقل وضمير ووجدان عبداللطيف.
اختصمت كثيراً مع عبداللطيف لكن كل خلاف معه كان ينتهي عادةً بسلاسةًٍ وبساطةٍ كأنه لم يكن ، وذلك بمجرد اللقاء ، كأنه كان بلا ذاكرةٍ ، أو أنني كنت أبلهاً بلا كرامة مع هذا “المخلوق” الطيب ،الحبيب ، العجيب.
لم أكن أطيق تخيل نفسي أن أعيش في صنعاء بدون فنان مثل عبداللطيف ، فبدونه لا تشعر أن صنعاء صنعاءْ ، ولا الحياة فيها حياة.
صنعاء القديمة ، معماراً وفناً كانت هاجس عبداللطيف ، الحفاظ عليها كان قضيته منذ عاد من جمهورية “المجر” السابقة حاملاً شهادته في الهندسة المدنية.
كان صديقي مشاغباً لا يكف عن تكسير معايير الذاكرة ، وتجاوزالمألوف في اللغة ، وتحدي عروض الشعر ، ونقد نواميس التاريخ ،وتفكيك قيم التراث ، ولكن عندما يصل الأمر إلى معمار “صنعاءالقديمة” لم يكن عبد اللطيف يقبل المساومة أو أنصاف الحلول أبدا.ً
كانت “صنعاء القديمة” توازي عنده صورة والدته ، والحفاظ عليهايعني “الفخر” بشرف الوالدة.
عندما أراد عبداللطيف أن يستخدم المسطرة والقلم لبناء منزل يتماهى مع خلفيته الدراسية خرج بعيداً عن صنعاء القديمة ، لكنه مع ذلك بنى بذات الشغف منزلين حديثين ولكن بروح صنعاء القديمة أيضا.ً
عبداللطيف النزق الغضوب كان يجيد إسداء النصيحة لي والآخرين بإدارة ظهورنا للسياسة والانصراف إلى كل ما كنا قد بدأنا العمل عليه من المشاريع الأدبية ، لكنه كان بارعاً في عدم العمل بما ينصح به.
كتب بلغة جديدة على صحافة عصره مقالات بديعة في السياسة لجريدة الحزب الاشتراكي الذي إنتمى إليه علانية بعد وحدة العام 1990 .
كنت خارج البلاد عند منعطفٍ سياسي عاصف أظن أنه أنهك عبداللطيف ، وعندما إتصل بي صديق مشترك كبير ، وأبلغني بوفاةعبداللطيف ، كان من نتيجة هذه الصدمة أنني لم أتمالك نفسي ،بكيتُ كما لم أبك في حياتي حتى في أشد الفقدانات لمن أحببت من أهلي وأصدقائي.
كأنني قررت أن أموت لكنني لم أمت ، عزمت في حالة شديدة من الحزن والإحباط البقاء أطول فترة ممكنة خارج مدينة لم يعد فيها عبداللطيف!.




