- عبدالمجيد التركي
في 2013م كنا في صحيفة الثورة، أنا والصديق معين النجري في مقيل دافئ في كشك إدارة التحقيقات.
كنا قد أطفأنا صوت أبو بكر سالم لنبدأ بالعمل.
دخل علينا يحيى الصومالي.. كان إنساناً بسيطاً يمسح زجاج السيارات في حوش الصحيفة، ويتكلم بصوت هادئ.
كنت معجباً بهدوئه ورزانته، وكنت أقول لنفسي حين أضحك بقوة: لماذا لا أضحك بابتسامة هادئة مثل يحيى الصومالي؟
لماذا لا أنزل الدرج برزانة ورسمية مثل يحيى الصومالي؟
قال لنا يحيى بلكنته الصومالية: الموسيقى موش تمام، هدا هرام. وعلى نفس الوزن قلت له: ناهي تمام.
كان يحيى يخرج من حمام الصحيفة وماء الوضوء يقطر من أصابعه النظيفة، فهو مهووس بالنظافة، والنظافة هي العمل الذي يجيده.
كان معين النجري يحدق في دخان السيجارة الذي يتشكل على هيئة دوائر، وكان يحيى يسرد لنا أهم التحولات في حياته، وأكثر الأعمال التي ندم عليها، وكيف أن جسده صار محصنا من نار جهنم !!
كنت أريد أن أبعثه إلى السوق لشراء أي شيء لكي يتوقف عن سرد ذكرياته لنبدأ العمل، لكني سألته عن الشيء الذي ندم عليه، أو لم يندم عليه، وكيف أصبح فجأة واحداً من المبشرين بالجنة؟
قال يحيي الصومالي: في عام 99 قال لنا الشيخ حقنا في صومال إن الذي يقTل أمريكي يدخل الجنة.
شعرف بالخوف مما سيقوله يحيى بعد ذلك، لكني كنت أرى هدوءه وابتسامته وأقول لنفسي: يحيى رجل مسالم كما يبدو، فألتفت إلى معين النجري لأراه قد فتح عينيه أكثر، وقال: أيوة يا يحيى، وبعدين أيش حصل؟
قال يحيى: في صومال مسكنا أمريكي ودبحناه، وأنا كنت أتحسس رقبتي. قلت له بصوت جاف: وبعدين؟
قال: قطعناه وحطيناه في قدر كبير وعملنا تحته حطب كثير. قلت له وأنا فكر في أنبوبة الغاز الفارغة في بيتي منذ أسبوع: ليش حطب؟
قال: الغاز أزمة، وكنا في الغابة رحلة مع أصدقاء.
أكمل يا يحيى.. وبعدين؟
قال: المخابرات الأمريكية جاءت للصومال وما حصلت دليل على أن صاحبهم كان موجود هنا، لأنهم ما يحصلوا بصمات ولا حاجة.
وضعوا البهارات في ذلك القدر وبعض الأعشاب ذات النكهة، وكان يحيى هو الذي يمسك بالعصا الغليظة التي يحركون بها اللحم.
قلت ليحيى: وأكلتوا الرجل؟
قال هذا مش رجل، هذا أمريكي ك ا ف ر. . بس أنا ما أكلت، لأني نزلت للوادي اللي تحت أجيب خبز، ورجعت واصحابي قد أكلوه.
قال له معين: وأنت أيش فعلت؟
قال: أنا شربت مرق. لأني وصلت وقد خلصوا اللحمة.
هكذا، بكل برود قال: أنا شربت مرق.. ويعتقد أن هذا المرق بمثابة حصانة من النار.
قمت من مكاني إلى مغسلة الحمام، وأنا أشعر بثقل في قدمي ومغص في بطني.. وغادرت الصحيفة تاركاً ملف العمل على المكتب، وأنا أسمع استغاثات ذلك السائح الأمريكي وهو بداخل القدر.
من يومها وأنا لا أستطيع حتى رؤية مرق الدجاج.
صرت نباتياً، وأتجنب دخول المطاعم الشعبية التي تقدم مطيبة المرق للزبائن قبل الأكل، ولكي لا أسمع زبوناً وهو يصرخ: واحد مرق يا مباشر.




