- كتب: عبده تاج
لم أكن أقصد أن أرى صنعاء بهذا المَنظر، إلا أن صنعاء مدينة تخذل قصدك من كل زوايا الرؤية، من ذلك المكان المرتفع رأيت هذه المدينة التي تبدو مدلّلة كتلك الأبهات الفردوسية التي لا يمكن استحضارها حتى في أبعد حدود الخيال؛ فقلت، آهٍ، كيف يستطيع طيار أن يقصف هذه المدينة الملكوتية، تَقَدّس اسمها في الأعالي. لو كنت طياراً، لخنتُ بلادي احتراماً لصنعاء. كيف تبدو مباني صنعاء القديمة من الجو، كيف تبدو أزقتها المحشوة بالورد، كيف يبدو الأطفال وهم نيام.. كيف تبدو صنعاء الساحرة ليلاً، كيف تبدو إضاءاتها الملوّنة ببساطة عجيبة. يا إلهي، أي توحش يصيب الإنسان حين يُفكر في الحرب. إنني في الحرب محايدٌ إلى أبعد مدى، لا أريد أن آخذ صفاً مع أحد، أحايد في الحرب لاني أكرهها، فلذا لا أريد إلا إيقافها، ولو كان بإمكاني أن أصرخ لصرخت. طبعاً في الطرف الآخر هناك هذا المتعنّت الذي يناوش دولة من الدول بطائرة خرائية، كي تأتي وتقصف هذه كل ما تبقّى من صنعاء، وهو لا يمتلك حتى أصغر احتمال لمنظومة دفاع جوي، الضعيف لا يهدد. ياه، كم هو الحديث بالسياسة يورّم الدماغ والخصيتين، وأنت تحملق في صنعاء، لا بد أن تقول منذهلاً بأن المباني القديمة لم ينقشها أحد غير الله، آه يا صنعاء أنت أسرار العَلْياء والسماء، أنت غيمات مُمتزّة من أصابع الله، أنت الطريق إليه، أنت الدرب الذي يصل إلى خجل الجنات، أنت مبتدأ صعود الروح، أنت خجل المدائن.. تخبئين في أزقتك خزائن الحياة، كي لا تفضحك الحرب، تتوارين بستارة مزركشة، كي تقولين للقذائف التي تسقط عليك، محال لصنعاء أن تكون بلا ألوان، أحبك يا قِبلة الغرباء يا خجل الفتيات الحالمات، يا قرية وصلاة ضُحى، أحبك يا صنعاء وأنت صاخبة، تضجّين بأسئلة شتّى، أحب الهواء القَلِق الذي يمشي في عروقك.. وإذن فيكفي حرب، دعونا نكتب قصائد بلا أشواك، دعونا نغنّي بلا وخزات.. دعونا نعيش..
دمار يأكل الطريق، دمار يأكلني من الداخل، ينخر قلبي وأسناني المتهالكة، دمار يعضّ على ألسني النادمة، دمار في الكلام، وفي الأحوال المدنية وفي المشفى والمصحّة العقلية وفي العكّاز وفي اللعاب وفي السعال، وفي كوفيد-١٩. دمار يدّب في الشُّعب الهوائية للمدينة وفي مهبلها وفي قناة فالوبها، تباً لفالوب، أوقفوا الحرب، أصبنا بالجنون، نصف المدينة مجانين، والنصف موتى، أوقفوا الحرب، اختنقنا. كلٌّ معه زاوية يقبض منها عائداً مادياً وتلمع أسنانه الضاحكة أمام حرائق الحرب، أوقفوها يا سفلة. نشف صوتي في الريح، وذابت أعيني في السحب السوداء، غرق جلدي في الرماد، وصار صدري سكّة مرّ منها ألف قطار، آه أيها العالم لقد قسوت علينا -هداك الله-، لسنا سوى محبين للحياة، انظر لنا بعين العدالة وأوقف هذا التشدّق، أوقفوا بأن الحل يكمن بالسلاح، فالقاتل لا يدفع الثمن، بل المقتول، كلنا قتلى في هذه البلاد، مات أبي وأمي وجاري وعشيقتي ومن اختلس مني مالاً ومن كذبت عليه، مات المعاق والطيب، والسيء والأخضر واليابس، مات كل شيء وأي شيء، أوقف الحرب أيها العالم -هداك الله- أيها اللعين.




