- كتب: عبدالباري طاهر
صحفي أمريكي يسأل المناضل الأفريقي الزعيم نيلسون مانديلا باستفزاز عن صداقته مع كاسترو وأبو عمار ومعمر القذافي، رد عليه بكل الوضوح والصدق، وأنقل إجابته هنا حرفيًا: “من الأخطاء التي يرتكبها بعض المحللين السياسيين هو أنهم يعتقدون أن أعداءهم يجب أن يكونوا أعداءنا. لا نستطيع فعل ذلك، ولن نفعله أبدًا. لدينا نضالنا الخاص. نشكر العالم الذي دعم نضالنا. نحن منظمة مستقلة، وموقفنا تجاه أي بلد يتحدد بموقف ذلك البلد تجاه نضالنا، وياسر عرفات والقذافي وكاسترو دعموا نضالنا حتى مقبض السيف. لا يوجد أي سبب على الإطلاق يجعلنا نتردد حول الإشادة بما فعلوه تجاه حقوق الإنسان، كما فعلوا في جنوب أفريقيا، ويستند موقفنا على حقيقة أنهم يدعمون بشكل كامل النضال ضد الفصل العنصري. لم يدعمونا فقط بالخطابات، بل إنهم يضعون الموارد تحت تصرفنا؛ من أجل انتصار قضيتنا”، ويرى أن القضية الفلسطينية لا تختلف عن جنوب أفريقيا داعيًا إلى انسحاب إسرائيل من كل الأراضي في الضفة والقطاع وغزة والجولان.
الزعيم الأفريقي داعية حقوق الإنسان والديمقراطي الإنسان يعرف زيف ونفاق الامبريالية الأمريكية الصانع الأكبر للإرهاب، ويعرف كذب فرنسا وبريطانيا كمساندين وصناع لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وفي إسرائيل.
أكثر من ثلثي قرن على نكبة فلسطين التي يشرد شعبها، ويقتل يوميًا مواطنوها، وتهدم المنازل، وتقتلع أشجار الزيتون، وتهود فلسطين، وتسن قوانين فصل عنصري لا تقل بشاعة عن نظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا، ولا نسمع صوتًا لهذه الأنظمة الاستعمارية صناع وحماة إسرائيل، وعندما يقتل إسرائيلي تقوم الدنيا ولا تقعد؛ تنديداً بالإرهاب الفلسطيني.
سبعة أعوام عجاف تشن الحرب على اليمن من قبل السعودية والإمارات، فيطال القصف المدارس، والمستشفيات، والمزارع، والأسواق الشعبية، والأحياء السكنية، وصالات العزاء، والمتاجر، والمؤسسات المدنية، والطرقات، وقوارب الصيد، ولا نسمع حسًا لهذه الدول الضالعة في الحرب دعمًا للتحالف العربي.
وترزح اليمن برًا وبحرًا تحت حصار جائر فرض المجاعة على ما يقرب من ثلاثين مليونًا، ويبلغ القتلى فيه أكثر من ثلاثمئة ألف، والمعاقون ملايين، والمشردون داخل وطنهم أكثر من ثلاثة مليون، والموتى بالأوبئة الفتاكة بالملايين، والجوعى أكثر من ثلثي السكان.
في اليوم الـ 18 من يناير 2022 قصفت طائرات مسيرة ناقلات نفط في أبو ظبي، وأجزاء من المطار كرد على تصعيد مليشيات تابعة للإمارات في شبوة، والبيضاء، وحريب، وفي هذا القصف قتل باكستاني واثنان من الهنود، ومع الترحم على أرواحهم، فقد أدانت أمريكا وبريطانيا وفرنسا- وهم ضالعون في الحرب على اليمن- القصف، واقتدت بهم الجامعة العربية والعديد من الدول.
اليمن- كل اليمن- ضحية هذه الحرب الإجرامية التي تتشارك فيها مليشيات مدعومة وممولة من السعودية والإمارات وإيران، كما أن الأمريكان والبريطانيين والفرنسيين وإسرائيل داعمون للتحالف العربي، ونتساءل من هو الإرهابي؛ المستعمر- بالفتح-، أو المستعمر- بالكسر؟
إن الدول الكبرى دول استعمارية، وقد زرعت الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، ودول كالسعودية والإمارات دول تابعة، ولكنها وسائط توزع وتنفق ثرواتها دعمًا للاستعمار وللحرب في السودان، واليمن، وليبيا، والعراق، وسوريا، والصومال، والعديد من بلدان العالم.
لا يهم الإمارات أن يقتل باكستاني أو هندي؛ ففي الإمارات الملايين من الهنود والباكستانيين وغيرهم، ولكن القتلى في اليمن عشرات الآلاف؛ ففي صباح يوم 19 يناير، قام الطيران السعودي بقصف حي سكني في صنعاء ضحاياه أسر مدنية، ولم نسمع أي احتجاجات عربية أو دولية كما سمعنا بالأمس.
يعرف الجميع أن الشعب اليمني كله ضحية هذه الحرب، وأن الضمير الإنساني يفرض الضغط الدولي على أطراف الصراع الإقليمي حل خلافاتهم بعيدًا عن اليمن؛ فاليمن يدمر على مدى سبعة أعوام، وقد طال التدمير كل مظاهر الحياة، وسبل العيش؛ فقرابة الثلاثين مليوًنا يموتون بالحرب، وبالتجويع، وبالأوبئة الفتاكة، وانعدام أبسط مقومات الحياة وسبل الأمن والسلام، وفي كل نداءات جماعة السلام، وفي اللقاءات الدولية كانت تطرح قضية تشكيل لجنة دولية للتحقيق في جرائم الحرب- كل جرائم الحرب-، وكان الدكتور عبد الكريم قاسم أكثر اليمنيين حماسًا لطرح القضية، وكان المفوض العام للأمم المتحدة يتبنى ويدعو إلى تشكيل لجنة دولية تحقق في هذه الجرائم، ولكن السعودية بنفوذها كانت تقف ضد تشكيل لجنة دولية مستقلة ومحايدة، بينما كانت هولندا وبلجيكا يقدمان مشاريع تشكيل لجنة دولية للتحقيق.
إن غياب المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية هي السبب أيضًا في إطالة أمدها، ووصولها إلى الوضع الكارثي.
منذ مطلع القرن الماضي تسعى الدولة الاستعمارية إلى تفكيك البلدان العربية، والحرب التي تشن ضد العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن وبعض دول الخليج هدفها إعادة هذه البلدان إلى المكونات الأولى، ولكن السعودية والإمارات تهدف إلى تفكيك اليمن، ومحو يمنيته على حد تعبير المفكر القومي عبد الحليم قنديل.




