- كتب: محمد الوشلي
العدائية .. والرغبة ، هذه استراتيجية، أفكار ومشاعر ، عند فرد أو قوم ، وحين لا تجد سياقا صحيا ، نفقا تعبر منه ، ستكون ما نحن عليه كشعب وقادة . وحين تجد سياقا ،تكتيكا ، كيفا واضحا ، ستحول ملاكها لأبطال قوميين.ستحولهم لسياق وممر ، لجسر دائم أو مؤقت ، لبقية الشعب ، الذي سيتزاحم فوقه راكضا ، وكأنه طريق النجاة الوحيدة .
هذه قصة صغيرة ، عن الاستراتيجية حين تجد فرصتها لتتحول إلى تكتيك . لاحقا سنرى كيف أن شعبا بأسره وجد تكتيكه أيضا ولو للحظات فقط .
يوم الثلاثاء السابع من ديسمبر ، في ملعب فهد بن سلمان ، في مدينة الدمام السعودية ، قبل أن ينتبه أحد ، انتصر المنتخب اليمني للناشئين ، على المنتخب الأردني بنتيجة ٣-١ .المنتخب الذي سافر فوق حافلة مهلهلة ، لثلاثة أيام ، من سيئون إلى الدمام ، لم يحيه أحد ، والخيارات أغلبها قاتلة ، غريبين عن الغرباء ، عن أهلهم .
بعد ٢٧ يوما بالضبط يتصل بهم رئيس البلاد وتصفق لهم حركات المعارضة . يلوح لهم وزيرا شباب وتخرج لأجلهم جحافل رضع يمنيين وعجزة في شوارع العالم . تنتظرهم طائرة العودة في المطار ، والكثير من قطع الخبز ، والحلوى ، والشيكات على بياض .
هذا أمر ، حول العدائية الصحية ، والاستراتيجيات ، التكتيك ، هذا أمر عن منظومة التعبير .
في كرة القدم ، هناك ١١ لاعبا . لطالما عانت الفرق اليمنية من مشكلة أنها مجرد ١١ لاعبا . حيث انفصال المراكز عن بعضها ، عدم تكامل الوظائف ، تداخل المساحات والخطوط حتى تصبح مساحة واحدة ،خطاً واحداً ، هذا ما يسمى بالمنظومة . الكابتن قيس علي مدرب المنتخب الناشئ ، يفهم ذلك .لإمكانياتك الفردية ضمن حدود مركزك ، في النهاية له حدود ، مكانية وفنية .
منذ مباراة الأردن ، كان ما وصلنا التالي ، هذا منتخب مختلف ، الرغبة الآن وجدت الانفاق التي تخرج منها ، لن تجري مئة متر بدون جدوى ، لن تمرر بدون جدوى ، لن تصرخ بدون جدوى ، لن تسدد بدون جدوى . كل شيءٍ سيبدو صحيحا ، لأنك في خريطة الملعب ، ما إن تبدأ الحركة ، يتناسى اللاعبون ، أو أنهم لايعودون مهتمين بأنانية المركز والرقم ، الموهبة الشخصية ، الرغبة الشخصية ؛ ما رأيناه مرونة مطلقة في تفاعل المراكز مع بعضها . هناك جملة تكتيكية مكتوبة بعناية ، تستوعب كل تكنيكاتهم الفردية .
والأهم هناك رغبة جمعية وعدائية ، لأنهم قادمون جميعا من نفس المكان . مكان جعلهم عدائيين ، يريدون الانفجار ، ثم جاءت اللحظة الصحيحة ، في الإطار الصحيح لما يستطيعون فعله ،. ومع الشخص المناسب ، ظنناهم سحرة ، لأنهم بهذه الحركات الغير عميقة من الناحية السياسية والحربية والاقتصادية ، استطاعوا تفجير عواطف شعب كامل ، رغبات شعب كامل ، شعب لساعات بعد الانتصار الأخير ، عمل هو أيضا في منظومة ، بعيدا عن اسماء المحافظات ، بعيد عن انتماءات المراكز الكثيرة ، وهذه المنظومة تقابل تلك ، في تلقائياتها وسحرها ، لقد تمسّك الشعب بهذه اللحظة النادرة ، التغسّل المفاجئ من جنابات المشاعر اليومية والأفكار المركبة تجاه نفسك وتجاه الآخرين كانوا أخوة أو اعداء . هذه اللحظة المثالية ، خلقها منتخب مثالي ، أفلاطوني ، صنع مدينة فاضلة لساعات .
مدينة تحترق طوال العام ، لكن لساعات قالت لنفسها وللعالم أن واقعها هو ما لا تريده ، وما لا تبتغيه .
لديها حلم ، لديها رغبة ، وعدائيتها تزداد لأنها لم تجد طريقة لقوله ، لأيجاده ، وحين رأت أمامها في الشاشات هؤلاء الصبية ، اليمنيين ، بدون اسماء شخصية ، تكتل وانعزلات وانغلاق باتجاه الداخل ،احتلالات متبادلة بدون أسباب ، حين رؤوا ذلك ، ورؤوا أن هذا ذهب بهم إلى الانتصار ، إلى القمة ؛ اعترفوا بأكثر الطرق بدائية ، بأصدقها ، عبر الدموع والاعتذارات ، حتى الرصاص الذي يخبئونه لبعضهم ، أطلقوه منه الآلاف في الهواء كقبيلة أفريقية قديمة تدور حول نارها واعتزازها طوال ليلة عيد ما.
هذا ما فعله الصغار بنا وبأنفسهم .
بعد المباراة النهائية ، في اللحظة الأهم في البطولة ، بكى كابتن المنتخب حمزة الصرابي على الشاشة في مقابلة عاجلة مع مراسل الرياضية السعودية ، متخبطا بشكل بالغ الشعرية ، قال : ” اقول للاتحاد وللمسؤولين لاتفلتونا ، لاتفلتوا زملائي ، في المستقبل ، اهتموا بنا”. هذا الخوف ، في محله ، وهو كان خوفنا جميعا ، ستنتهي ليلتنا الصوفية السعيدة التي افتكيتموها لنا من مخالب الوطن نفسه ، اهتمام الناس بكم ، كان اهتماما بأنفسهم ومشاعرهم ، محاولتهم انقاذهم لكم عبر حملة الدعم المالي والمعنوي ، هي محاولة لإنقاذ البلاد التي يعيشونها ، لإنقاذ أنفسهم .
أنتم كنت بلاد صغيرة يمكن إنقاذها على الأقل ، هم أدركوا ذلك ، وأدركوا أن البلاد الكبيرة لا زالت تغرق بنا جميعا ..وستظل .




