- ضياف البراق
الحب الأخير تحطّم هو الآخر، وبكى رصيفُ الحديقة. أنا سعيد هذا المساء. ولو سألني أحدكم “لماذا” لأجبته بلعنة كبيرة تبدأ من غرفتي وتنتهي في قاعات البيت الأبيض. ولن أُحدِّثكم هنا عن تلك الغيوم السوداء التي تخرج من هذا البيت الديمقراطي العظيم، وتخنق ما تشاء من الناس الغلابى أو البلدان النائمة في أوحال ماضيها. والمُهِمُّ، لا تكونوا مقاريش مثل غيركم من الوحوش، عيشوا بقناعة وتراحُم وتماسكوا جنبًا إلى جنب ضد الأخطار، أو افعلوا ما شئتم ولكن لا تلعبوا بالقرب مني، فأرض الله واسعة أمامكم.
من القات عندي الكفاية.
من السجائر لديَّ ما يكفي لخنق المكان من سقفه إلى قاعه.
من الضوء لديَّ شمعة مباركة تشتعل الآن بين جسدي وروحي وهذه الحيطان الواجِفَة من كثرة تأمُّلاتي فيها.
من الحب بي مليون طعنة قابلة للزيادة.
من الوطن، لي السجن والنعش والهُراء الغزير أثناء دفني.
معي من الصبر القليل.
كل ما أملك من هذه الدنيا هو هذا النقاء الذي أتشرف به جدًا.
الحياة في تلك القشور التي يرميها المترَفون بعد كل استهلاك.
إلى الهوامش والقشور، قلبي يتدفّق عشقًا.
الأعماق دائمًا فارغة. ثمار الشجرة في أغصانها لا في جذورها.
ولكن يجرحني أنّ وطني مكتظ بالمقاريش، ومحكوم بسيطرتهم وجنونهم. أعني أولئك الذين يأكلون الأخضر واليابس، حلالًا وحرامًا. قرش البر أخطر من قرش البحر بمليون بشاعة. أنتم تعرفون كيف التلامِدة والبلافِرة قَرَشُوا الشعبَ الفلسطيني وأرضه، ولا يزالون يَقْرُشُون كلَّ شيء، مُستخدمِين في ذلك شتّى الخرافات والمغالطات والحقد والهمجية المُتطوِّرة وكل أسلحة الدمار. وبالأمس، تغدّى بالقرب مني في المطعم رَجُلٌ قارِشَة؛ في أقل من ربع ساعة ابتلعَ الرجلُ دجاجةً مشويّةً وزنها أكبر من وزني. وكم انتابني الرعب من شراهته الكارثية، وسال دمعي على الدجاجة مطحونةً في معدته الكاسِحة. والمقاريش هم أُناسٌ من جنسنا البشري ولكنهم يعيشون فقط من أجل إشباع شهواتهم وتكريش بطونهم الغبية والمُفترِسة. وهؤلاء يرتعب منهم حتى قرش البحر. ذوو الكروش الضخمة إذا تولّوا السلطة أفسدوها وقرشوا الوطنَ من جِلْدهِ حتى نخاع عظْمِهِ. طبعًا أكتب هذا الكلام وأنا أرتعد خوفًا على قاتي الرائع من هذا الصديق القارِشَة المستريح بجنبي من اليمين؛ إنه بمجرد أن ينتهي من مضغ قاته كله يهجُم عليَّ بكل ثقة ويلتهمني بكامل قاتي، ولا مشكلة من أن يتجشأ في وجهك بعد ذلك وهو يضحك عليك مثل وحش غريب. المقاريش يحيطون بي أينما اتجهتُ. ولكن مقاريش الحركات الدينية المُسيَّسة فلا نظيرَ لهم في خطورتهم على حقوق المخالفين لهم!
ثُمَّ، عندما لا تستطيع أن تنتفَّس فعليك بالكتابة. ولكن لا تعتقدْ أنّ الكتابةَ ستحل مشاكلك، فهي ليست علاجًا أساسيًا، ولا بمقدورها تحويل نافذة إلى طاقة، أو الشُّبَّاك إلى باب. كنتُ أيامَ طفولتي أجلس في طاقة بيتنا القروي الصغير، وأنزل منها عندما تغرب الشمس. ماذا كنتُ أنتظر هناك؟ إلى أي شيء كنتُ أنظر؟ وماذا استفدتُ من تلك التجربة الطويلة؟ لا أدري. وما أذكره الآن عن طاقتنا الصغيرة، أنها كانت لا تسمح بدخول الضوء والنسيم النقي، ولكنها تسمح للمآسي والرياح بالدخول إلى أعماقنا الحزينة. تلك الطاقة انتهت خرابًا عندما سقط جزءٌ كبيرٌ من البيت بسبب الأمطار الصغيرة. وداعًا طُويْقَتي الغالية، من الغد فصاعدًا سأجلس في الجحيم.
سأكتبُ دومًا عِوَضًا عن الجلوس في الفراغ.
والكتابة تخدير مُؤَقَّت للألم.
لا أعرف ماذا كتب النبي يونس على جدار معدة الحوت. النبي يوسف لم يكتب شيئًا على جدار السجن.
ما علينا منهم.
مجنون حارتنا يكتُبُ سيرته الذاتية. الرفيق أبو ذر الغِفَاري كان من أشرف وأطيب الرجال في زمانه القاسي. الحبيية لم تفهمني بعد. سرعة التقلُّب عند المرأة لا محدودة ولا مفهومة. المجد للنساء. في قريتنا، كانت جدتي لأبي هي المرأة الوحيدة التي عاشت قرنًا من الزمن بحرية وعذوبة وشجاعة لا مثيل لها. وُلِدتْ في الحرب العالمية الأولى، تقريبًا، وانتصرت على ألف حرب، وبكت على صدام حسين، وهي تعشق كل الزعماء العرب حتى وإن لمْ يكونوا بزعماء حقيقيين. لم يكن أبي يصدّقها عندما تبكي. وجدتي لم تعش قط وراء قناع أو حِجاب، وتعرّفتْ على العالَم كله عبر مذياعها الياباني القديم، وكانت تمضي قُدُمًا دون خوف من أحد، وتخلق سعادتها من أبسط الأشياء وأحيانًا من الرماد أو العدم. هي لا تقرأ ولا تكتب ولكنها تغلّبت علينا جميعًا، بوعيها العميق للحياة وأسلوبها الساخر واعتزازها بذاتها وقدرتها الهائلة على تحويل الظلام إلى ضوء. رحمة الله عليها. ماتت وأنا بعيد عنها. سأكتبها ذات كأس.
الكتابة تفتح لك الباب لمرة فقط، وتغلقه عليك إلى الأبد. انسَ جراحك وابحث عن الشموع. الصحراء من حولك ولكن في أعماقك الكثير من الماء والزهر والظل.
إياك والخوف من الفشل. فأنا، مثلًا، فشلتُ في مراحل كثيرة من حياتي، ولكنّي واصلتُ كفاحي الأسطوري ضد الفشل واليأس والضياع، وها أنا اليومَ أتربّع على قمة النجاح العالَمي. نجاحاتي العظيمة في جميع المجالات، تعني ببساطة: الحياة سهلة جدًا، والنوم خير من العمل. فليس من مجال للراحة في زمن السباق على النجاح والشهرة والتفاهة.
لا تيأس. ازرع شجرة. احفرْ في جدار الزنزانة ثغرةً للنور.
اذهب إلى البحر. امشِ مع الضوء.
تكلّم مع حَجَرٍ على جانب الطريق.
ارسم قصيدة على رصيف.
لا تهرب من الرياح العاصفة، ولا من سياط الجلّادين. لا بأس أن يخنقك الشعورُ بالضياع، ولا مشكلة أن يحطمك الجميع. لا تطلب مطرًا من صحراء. علاجك في أعماقك، ابحث عنه، إنه في يدك أنت.
كان الجدار كئيبًا في يوم من الأيام، فلم يذهب إلى طبيب نفسي وإنما ذهب إلى جارته الجميلة فأصبح شاعرًا سعيدًا.
مارسِ التأمُّلَ من أي اتجاه، واذهب مع الخيال إلى أبعد نجمة في السماء. الموت في الانزواء عن ضجة الحياة. الشوارع كثيرة فامشِ دومًا وستجد البهجة أمامك.
لا تُكرِّرْ غلطتك الأخيرة.
لا تحبس الوجع بداخلك، ولا تفكر به.
عندما لا تستطيع أن تحلم ولا تكتب، فحاول ثم حاول. غَنِّ بقلبك وارقصْ بروحك. لحظة استقرار واحدة كافية لتحويل الأشياء في داخلك إلى أفراح راقصة.
عندما لا تستطيع المحاولة بعد المحاولة، فلا تعتقد أنّك قد خسرتَ كل شيء.
الخسارة الفادحة هي انسحابك من واقعك، وانكماشك على خيبتك وحدها. عش كأنّك تكتب قصيدة الخلود.
السعادة تعانقك عندما تصبح حُرًّا تمامًا.
لا تخفْ. الذي خلقك سيعطيك خُبزًا وسلامًا.
قف بشجاعة وكلّمْ نفسك بما يجب. دعك من غُثَاء السياسة والصراعات الخارجة من السقيفة. اقرأ قصيدة أدونيس، واستعن بمصباح أديسون.
لا تسألني أيها الوطن عن فوائد الملوخية في زمن الحرب الحامية. رئيسك عبدربه منصور هادي، يبيع قصيدة الجمهورية في سوق عكاظ. هذا الاسم الثقيل ليس شاعريًا. التحية لرأس الشنفّرى، واللعنة على مؤخّرة الرئيس. ومسكينة تلك الزوجة التي تزرع الجرجير تحت سرير المستقبل، وزوجها ينام على القاع مجرورًا بكسرات الماضي. الحرية الحقيقية هي النوم في المقبرة. والمقابر عندنا أكثر من حفّاظات البامبرز. أمّا صوت البراميل الفارغة فصار أعلى من صوت المثقّفين. والحديث عن الثقافة والمثقَّفين أصبح مُمِلًا ومبتذَلًا إلى درجة تصيبنا بالغثيان والبشاعة وعدم المبالاة.
قلتُ: الصبر جميل.
وأضاف الوغد: والفياجرا مفتاح الفرج.
في البحر الأسود يبتلعك القرش الأبيض.
الألوان لا علاقة لها بمعنى الحياة.
لكن ما قيمة النفوس بلا قروش؟ على هذا السؤال قامت فلسفةُ مقاريش العالَم.
وُكلاءُ اللهِ في الوطن العربي قَرَشُوا حياتنا كُلَّها ولم يَشبعوا حتى الآن. بعد كل بسملة أو خُطبة جُمعة يقرُشُون بنكًا أو مدينة أو وطنًا أو أي شيء. أعانكم الله علينا أيها المقاريش البررة. القارِشة هو الذي يأكل حقه وحق غيره. يلبس حذاءه ويأكل حذاءك.
سَجِّلوها في آذانكم:
المقاريش، اللاهِفُون كل شيء.
وتسألك الفيلسوفة تكريم بنت عمك: وكيف الخلاص من المقاريش؟
والجواب يأتيها من طفل يصرخ جوعًا في الجوار: أن نترك لهم كوكب الأرض ونهاجر نحن إلى مطعم الشيباني!
الصمت أحد الحلول المفيدة.
ولكنك عندما تصرخ من جميع أعماقك المجروحة، في تلك اللحظة يهتزُّ العالُمُ ويتغيّر.
والحب، يا صاحبي، أمامنا وليس خلفنا.
في الكتابة القادمة سنشرب الشاي أو النبيذ مع موتسارت وبيتوفهن وياني وغيرهم من عباقرة النغمة والدهشة والبهجة. المقاريش وحدهم لا يعرفون قيمة هؤلاء.
المقاعِد المُرِيحة أفسدَت الأخلاق والفلسفة وعذوبة الحياة. والحكام العرب يقرؤون علينا كل يوم آية الكرسي. والذي يقترب من كراسيهم المُقدَّسة، يرجع إلى بيته محمولًا على كرسي وبالأصح على نعش. دعك من ثقافة أسلافك فقد كانوا أكثر تعاسة منك.
غيِّرْ نفْسَك الآن، وابدأ حياتك بثقافة جديدة. في داخلك سجون كثيرة فاهدمها أولًا وتعال نرقص معًا حتى يحتفل بنا الله في عليائه. اعتمد على نفسك، فالمثل الشهير يقول: ما يحكُّ ظهرك إلّا بطنك.
كفاية هذا الهُراء.




