- ضياف البراق
وأنا أتخبّط في سوق القات، مثل السكران الذي يبحث عن مستقبله في برميل قمامة ضخم، نشبتْ مشاجرةٌ مُفاجِئة بين شباب عرابيد، فشعرتُ بأنني ضيف على برنامج الاتجاه المعاكس. لمْ أتدخّل لفضّ هذا النزاع الساخِن أمامي؛ خوفًا على جيبي وأنفي وحذائي البسيط العزيز. من هذا المكان المخيف، كان سبارتاكوس ورفاقه يشترون القات الهَمْداني الطازج ثم يذهبون إلى المعركة مشتعلين بالحماس ممتلئين بالعزم والطيْش. صاحبي دونكيشوت كان يتعاطى القات الأرْحَبي بشكل متواصل، فكان ينتصِر في جميع معاركه الرمادية. هؤلاء الأغبياء العرابيد اخترعوا هذه التمثيلية الساخنة لكي يسرقوا المتدخِّلين لفض النزاع الثائر بينهم. تلك حركة قديمة جدًا. برنامج الاتجاه المعاكس أخطر من منزل مجانين تجري فيه المشاجرات بغير انقطاع. برنامج يُحوِّلني إلى كائن عُصَابي عنيف، ولذا فإنني أتهمه بالجنون والإزعاج وعدم التهذيب. البرامج التي تهتم بنشر الإثارة لا تعنيها الثقافة. برنامج فيصل القاسم يحشو الرأسَ العربيَّ بالتفاهة والبذاءة والسطحية، أجَلْ، إنه يصبُّ في رأسي ثقافةَ الكراهية والوهْم والتعصُّب والغُثَاء. ومن هنا يكتسب هذا البرنامج شهرته الواسعة. لقد أصبح يُنتِج الإثارة القبيحة لا الثقافة الجميلة. لا توجد حلقة واحدة تخلو من الضجيج والسب والشتم واللعن والمزايدات. ونحن العربَ نلهث كثيرًا وراء التفاهات والزوبعات والأوهام والشائعات، لأننا نعشق الإثارة حدَّ الذوبان والموت. فماذا يستفيد العقل العربي من ضجيج برنامج الاتجاه المعاكس ذي العمر الطويل؟ طبعًا، لا شيء سوى الصداع المُزمِن. نحن في العالم العربي فشلنا أن نخلق ثقافةً ديموقراطيةً بحيث لا تؤدي بنا إلى الكراهية والزيف والنفاق والتطرُّف والصراعات المتوحِّشة واحتقار الرأي المُختلِف. بل كل الإعلام العربي لا طائل من وجوده اليومَ، وغيابه أشرف وأجدى من حضوره الكارثي. إعلام العرب لا يفيدهم، ولا يُوحِّدهم، وإنما يُفسِدهم، ويُفرِّقهم، ويجعلهم مكشوفين تمامًا لأعدائهم المُتْرَبِّصِين. بالطبع، كل هذا الانحطاط العربي يُسعِدني حتى الثمالة، ويزيدني إدمانًا للقات الرديء والسجائر المصنوعة من نشارة الخشب والكرتون. كلنا مثل بعضنا يا فيصل القاسم، وأنا لا أكرهك، واصِلْ شُغْلك اللذيذ.
ها أنت عائد من الشارع الذي يبيع القات الرخيص. أنت بخير، ولكن أنصاف الثورات أَرهقتْ أعصابك. أنت الآن نصف مواطن، وقيمتك نصف ريال عادي، تنام على نصف فراش، وتأكل نصفَ وجبةٍ في اليوم. الحياة رائعة حقًا. وأروع ما فيها، أنّ شارعَ القاتِ قريبٌ من غرفتك المحاطة بالجحيم. القات ينتظرك ويفترِسك مرتين كل يوم. تُفكِّر بقطع هذه العادة اللعينة، فيصرخ قلبك بالرفض. تحاول الصعود إلى أدنى درجات النجاح، فلا تستطيع، بل تسقط على وجهك في الرماد. في الشارع، تمشي ورأسك مُثقَل بالخرافات والأوهام والديون والرفاق الموتى. حين تحلم بالحصول على ذرّة من السعادة، يتّسع جرحك العميق، فتتراجع مهزومًا. تنام بعدَ سهرٍ طويلٍ، وتمشي في ظلام نومك، مثل طائرة ورقية، وصولًا إلى شارع القات. تستيقظ وأنت مريض منهوك. تسّمَّع بوب مارلي، وترقص معه حتى الذوبان. هذا النبي الأسمر الذي مات وهو يُغنِّي ويزرع البهجة والحرية في قلوب الملايين من البشر المسحوقين. وبينما جارك يُضاجِع زوجته ذات المزاج الجميل، تتصارع أنت مع وساوِس الكتابة في داخلك. البارحة نسيتَ أن تشرب زجاجتك القديمة الفارغة. لمْ تحلق شنبك ولا ذقنك منذُ شهر. والمثقفون الذي يتفلسفون عن عُنُق الزجاجة، يَفقِشُون معدتك. حافظ على مثانتك من نقاشاتهم المُلوَّثة. وأنصاف المثقفين هم الذين يكتفون بأنصاف الثورات وأنصاف الحلول. وتقرأ لمثقف عربي منفوخ يمتدح الغرب إلى درجة التقديس، أيْ يُبَجِّله في كل شيء، بينما يسخر بقسوة وفظاظة من جراح ومآسي وخسارات ومرارات شعبنا العربي، وبما أنّ من حقه الانبهار بالحضارة الغربية، أو حتى عبادتها، فإنه من حقنا أن نعتبره بلا شرف. المثقف الذي يدوس بحذائه فوقَ جُرْحِ أخيه، بدل أن يُساهِمَ في علاجه، فلا قيمة لثقافته ولا عنده شرف.
ها هو القلَقُ يقتحم غرفتك، والريح تلتف على أملك الاحتياطي. هذا هو حظك يا صاحبَ الضمير الأخضر. ترمي الكتاب من يديك، تنتفِض غضبًا، وتبحث عن الولّاعة بين البطانية والفراش والأوراق المبعثَرة المليئة بالشخابيط. تلعن دراويش الأحزاب الخشبية. تلعن نفسك أنّك ضيّعتَ يومك كله في الركض وراء معنى لا وجود له أبدًا. تلعن النافذةَ والباب والسقف والشمعة الذائبة. المقالة الطويلة التي كُنتَ بالأمس تريد أن تكتبها عن الشاعر الغالي عبدالله البردّوني، لا تنسَ أن تكتبها بدمك الطاهر. جميع الأوغاد يستخدمون الكلمات الناعمة، والمصطلحات الغريبة، ويكتبون دائمًا عن روعة القهوة الصباحية ممزوجةً بصوت فيروز. تلعن هؤلاء أيضًا. إذا سقط رأسك بين البيضة والحَجَر، فاقرأ على نفسك سورة الوداع. وهذا الوطن تخنقه حشودُ البيضة والحجر، وتطحنه طحنًا شديدًا. ممثل عظيم مثل أحمد زكي، كان عليك أن تُشاهِدَ جميع أفلامه. دعك الآن من كثرة الكلام، اِسْترِحْ قليلًا، فبعد ساعة وبضع دقائق سَيُناديك القاتُ من الشارع، وستذهب إليه بأقصى سرعتك، ساجدًا عند قدميه، كما تفعل كلَّ مرة.




