- مصطفى ناجي
14
أستيقظنا صباحاً في وقت مبكر، ما نزال في آخر الصيف وما يزال الشروق باكراً، فهو في الشتاء يتأخر حتى التاسعة أحياناً فيما لو ظهرت الشمس.
الخروج من الخيمة في الصباح يجعلك في قلب الضوء. داخل الخيمة مغمضاً عينيك تشعر أنك النقطة المظلمة في بحر من الضوء. على عكس البيت حيث يأتيك ضوء النهار خفيفاً مرشحاً بدفقات من شق في النافذة أو الباب. النوم في الهواء الطلق يعني أن تستحم بالضوء ما ان تفتح عينيك.
يصعب عليك النوم على أرضية صلبة عندما تألف الفُرُش الوثيرة، لم تكن ارضيتنا صلبة فحسب بل كانت بنتوءات. وعلينا أن نتلوى ثلاثتنا في مساحة أقل من مترين تفادياً للزوائد الحجرية، لكن ارهاق السفر كان أكبر من هذه المعضلة فنمنا ولم نستيقظ إلا في الصباح، مع ذلك فقد صحيت مرتين في الليل احداهن للذهاب إلى الحمام بعين مغلقة وسرت في ظلام كثيف كالجدار، تحسست الطريق كالأعمى الذي ما يزال يحتفظ بتفاصيل المسافة في ذهنه،
كان سكوناً مريعاً لا يخدشه شيئاً، حتى زيز الحصاد اعتزل عزفه ونام مع النائمين.
أفقنا على موعد للحشر، الخيام الصغيرة المتناثرة حولنا تطوى، والناس تغادر سريعا كأنها في حصاد وجيز،
علينا أن نغتسل أو نغسل وجوهنا على الأقل، وعلينا أن نطوي الخيمة ونبدأ يوماً جديداً من الترحال.
15
دقائق وعاد المربع الأخضر فارغا كما أتيناه.
غدرنا المربع بعد إن جمعنا عدتنا، لم يكن الامر سهلاً، الأولاد يتعاملون مع الصباح بطقوس فرهة دون مبالاة، كل شيء عندهم يصلح للعب أو المزاح.
علينا تجميع مخلفاتنا ووضعها في الصناديق الخاصة،
مررنا على خيمة شحن الهواتف وتناولنا افطارنا الذي جلبناه البارحة.
في الاستقبال، طلبت خريطة جديدة لاختار منها مسارا جديدا للعودة غير طريق القدوم، للأسف المخيم لا يملك خرائط تفصيلية ونصحتني الموظفة بالمرور على مكتب السياحة في المدينة لشراء خارطة تفصيلية.
الخارطة الكبيرة التي يقارب طولها متر ونصف بمتر ونصف للإقليم والتي كنت قد شريتها من متجر الرياضة تعرضت نهار أمس لبلل الفانتا، أي انها تفوح برائحة الليمون، ولا أريد استعمال خرائط الهاتف حتى لا تنتهي بطاريته وأنا وسط الطريق.
كنت أريد أن أشرب قهوتي كما أفعل كل صباح ولكن لا مجال الآن، لقد وجدتني مهرعا مهمّا بالخروج والمغادرة في خضم المغادرين صباحاً.
من المخيم الى قلب المدينة ومنها قررت العودة من حيث دخلناها وفي منتصف الطريق سأختار درباً جديدا تحدده لي الشواهد الخشبية، ما ان وصلنا الحقل حتى رأي إلياس الطريق الممتد فسألني مستنكراً:
- لا تقل لي أننا سنمضي في طريق الأمس ذاك اللامنتهي؟
- لا بديل لنا من هنا وحتى المحلة القادمة. اردت العودة عن طريق البحر وأخشى ان نتوه. سنفترق الطريق في نهاية هذا الخط الطويل في محلة Andilly .
ما يزال الجور بادرا قليلا قياسا بالأمس، الطريق عامر بالدراجين، بعد ساعة من الزمن تناهى الينا منظر نقطة سوداء تتحرك في نهاية الخط. وجدنا رجلا يمشي. كانت ملامحه مألوفة. اقتربنا منه وتفرست ملامحه بسرعة، أتضح لي أني رأيته البارحة وسط المدينة، رجل فوق الستين من عمره بجسم شديد حليق الرأس عدا خيط من الشعر من الناصية الى الخلف، على اذنيه اخراص معدنية، ثيابه رثة حسبته متسولاً أو مشرداً يجوب شوارع المدينة، لكنه في الطريق يمشي سيرا على الاقدام ويدفع أمامه عربة أطفال وضع فيها ما يحتاجه في سفره من خيمة وملابس وزاد، لا يريد أو لا يستطيع حمل أغراضه على ظهره لكنه شغوف بالسفر على قدميه من مدينة إلى أخرى.
يا الهي! التقاعد يفعل الافاعيل بالناس.
16
ساعة ونيف وكنا قد وصلنا إلى جسر تدخله الدرّاجات من أسفله على دكة حجرية فوق قناة الماء.
في العادة عندما نمر من أسفل الجسور نتعمد الصراخ ونستمتع بالصدى.
خطر في بالي ألا أستمر حتى نهاية طريق الدراجين، وعلينا الاتجاه غرباً حتى نصل إلى البحر.
توقفنا وتصفحت الهاتف فلم أجد طريقا الى البحر خاص بالدراجات، كنت احسب اننا ما نزال في Andilly وتبين لي اننا قد تجاوزناها.
في العادة يقترب منك بعض الدراجين ليطمئن، توقف رجل رأيته في غرفة شحن الهواتف في المخيم، أستفسر ما إن كان كل شيء على ما يرام، طمأنته شاكراً له وأوضحت أنى انما أتأكد ما ان كان هناك طريق نحو البحر، هو الآخر غير متأكد ولا يملك خارطة واضحة، استأذننا وواصل سيره.
علينا أن نترك طريق الدرجات وأن نسير في خط السيارات نحو مدن ومَحَال صغيرة.
هذه مغامرة. لِمَ لا؟
- هيا أولاد! من هنا.
عدنا بضع خطوات إلى الخلف ونحونا يسرة.
دقيقتين ووصلنا خط السيارات.
في فرنسا هناك أربعة أو خمسة أنواع من الطرقات، الطرق السريعة autoroutes والطرق الأوروبية routes européennes والطريق الدائري المحيط بالمدن وفيها يمنع السير على المشاة وسائقي الدراجات، والطرق الوطنية routes nationales، إلى ذلك هناك الطرق الإقليمية routes départementales والطرق المحلية routes communales وهذه الأخيرة تديرها البلديات وفيها يسمح للدراجين السير وبحذر.
17
كان الطريق الذي بلغنا هو طريق إقليمي يمضي نحو Villedoux (المدينة العذبة) ومنها أتجهنا صعوداً غرباً نحو إيناند Esnandes، كان طريقاً فاتناً يمضي في سلسلة من المستنقعات العذبة وحتى المالحة في حضائر كبيرة للأحصنة والأبقار والأغنام.
في هذا الطرق شاهدنا حدأة تسف على الحقل، ورأينا اللقالق واجمة على الجداول، في مجر مائي جاف رأينا قندساً يسير بتؤدة يفكر في بيته المنيع الذي لمحه إياد قائلاً بالفرنسية: قندس في جحره.
وقفنا على مقربة من قطيع من الأبقار الشهباء البدينة نتأملها تنهل من الكلأ وتتحرك بهناءة وسعادة لا تفسير لهما. نهرتنا احداهن بخوار عريض أثار ضحك الأولاد.
بعد إن دخلنا ايناند واصلنا السير غرباً باتجاه البحر حتى وصلنا إلى رأس سانت كيلمان Pointe Saint-Clément.
تراجع الماء بعيداً عن الشاطئ تاركاً مساحة طينية شاسعة هي مهوى جامعي المحار والصدفيات وثمار البحر، هبطنا بمحاذات الشاطئ حيث الطريق الترابي الخاص بالدراجات،
أقترب الظهر وارتفع صوت المعدة، علينا أن نجدا مكانا نأخذ منه طعامنا، مرة أخرى بين حقول الذرة حتى وصلنا إلى مدينة نيو- سيُر- مير Nieul-Sur-Mer ، مدينة عتيقة وادعة، وصلنا إلى قلبها ورأينا مطعماً مفتوحاً، توقفنا عنده وطلبنا منه الغداء.
كانت مدينة صغيرة هادئة لدرجة أن إلياس تساءل ما إذا كانت هذه المدنية بحاجة للشرطة، إلا أنه علّق بعد أن رأى صبياً يتعثر في سيره ثم أعقبته امرأة أخرى تعثرت وهي تلقي التحايا على مرتادي المطعم من معاريفها: يبدو ان المكان هادئاً لدرجة أن يتداعى الناس في سيرهم ويتعثرون.
صرنا أقرب إلى البيت. ساعتين أو ثلاث ساعات فقط ونختتم هذه الحكاية.
















