- ضياف البراق
أمس، نشر الصديق محمد المياحي مقالة استعراضية هجومية عنيفة هدفها الرئيس النيل من شخصية الدكتور ياسين سعيد نعمان؛ تلويثًا لسُمعته من عدة جوانب.. كتبها المياحي مُنطلِقًا من دوافع غير نبيلة.. ولا علاقة لها بشيء من دوافع ومفردات النقد الحضاري.. ولكنه نجح في نشرها على نطاق أوسع.. وتمرير أغراضه الحزبية غير المُعلَنة.. والمقالة طبعًا لا تصدر عن ضميرٍ ثقافيٍّ نقي، ولا عن روح سَمِحة مُتحرِّرة.. فجاءت خاليةً حتى من قشور النقاء والانفتاح.. مشحونةً بشهوة الانتقام والضغينة.. فيّاضةً وملزوزةً بعلامات التطرُّف ونغمة الغرور..
فليس صعبًا نشْرُ الاتهامات الباطلة، واختلاق الأكاذيب، والتبريرات الخادِعة.. أو اللعب بعواطف وعقول القُرّاء الجهلة، والسيطرة عليهم.. ليست صعبة الكتابة بلغة الشتم والذم والكراهية ضد الخصوم.. إنما الصعب جدًا هو أن يتسامى المثقف بأنْ يتغلّب على نزواته ورغباته الشرِهَة، ويتحرر من ثقافة الوهْم والتبعية والتطرُّف.. نَعمْ، الصعب هو أن يكون المثقف رسُوليًا، لا حزبيًا أو شخصيًا.. أن يكون نورًا إنسانيًا واسعًا، لا صوتًا أنانيًا محصورًا.. أن يكون صادقًا نزيهًا، ومع الخير الخالص بغير شرط ولا قيد.. على هذا المبدأ يُربّي نفسه المثقف الحق.
المياحي، ثقافته واسعة، نَعمْ، لكن “مُثقفيَّته” غير مُؤَنْسَنة، أو غير صادقة، لأنّ روحه مُسيَّجة ومخنوقة بفكرة حزبية ظلاميّة مُتعصِّبة تمنعها من النمو والانطلاق. الإصلاح حزب أنانيٌّ، مُغلَق على نفسه، فيربّي أعضاءه على ثقافة العَداء لكل ما هو مُختلِف عنه أو مُخالِف لرؤيته أو خارج عن إرادته أو مُعارِض لمشروعه. والمياحي مسجون في هذا الظلام الخَطِر، وربما غير قادر على الخروج منه.
بالتأكيد، ياسين ليس منزّهًا عن النقد، لا أحد من الناس بل ولا شيء فوق النقد. غير أنّ النقد المُحترَم يُحترَم. نرفض توجيه العنف اللفظي والتعزير والشتم لأي أحد كان، بخاصة إذا كان ظُلْمًا. المُهِم، كيف اختفت بالأمس حداثة المياحي، أين ذهبت انفتاحيّته الفكرية.. أين انحيازه للفن والجمال والمنطق.. والتزامه بمعايير الحق والحقيقة.. أين أسلوبه الجماليّ.. وهل هذا هو التصوُّف الحُرّ الذي ينتمي إليه.. أين تلاشى ذاك التواضع.. أم أنّ هذه الصفات النبيلة هي مجرد أقنعة بهدف الوصول إلى المجد الفارغ.. لماذا يتخلّى عن صوابه من أجل إسعاد جنون حزبه؟ بالطبع، من حقي أعترِض وأتساءل وأبحث عن أجوبة.
الذين استقبلوا مقالة المياحي، بفرحٍ شديد، امتدحوها بتعليقات تُشجِّع على الباطل بدل أن تردعه أو تقول خيرًا.. ومعظم التعليقات تطفح بالحقد الأعمى إزاء الدكتور ياسين، وأبشعها صادرة عن مُعلِّقين كنتُ أظنّهم مثقفين حقيقيين؛ لفرْطِ ما يدّعون الحداثة ويتغنّون باليسارية ويتكلمون بمثالية عصرية تبعث على الأمل، لكن الأيام والمواقف تفضح كل ما هو زائف.. المُقرِف، أيضًا، كمية الكوارث اللغوية التي تعج بها تعليقات الأغلبية..
والحقيقة أنّ بعض المُعلِّقين الذين وجّهوا الشتائم للدكتور هم لا يعرفون حقيقته.. أو لا يعرفون من هو.. وما تاريخه.. لذا فإنني أشفق عليهم.. وأضحك..
ختام القول: جميع الذين كتبوا، أمس، ضد الدكتور، وهاجموه بتلك الوحشية الممنهَجة، كتاباتهم تصدر عن ضغينة مزروعة في أعماقهم، تصدر عن كراهية وحقد للآخَر أو المُختلِف.. إنها لا تصدر عن ضمير مُؤنْسَن.. ولو بلغتْ ثقافتهم عنان السماء!
وبهذا المقال البسيط أكون قد دافعتُ عن الحق، أو ما بدا لي أنّه الحقّ، وليس عن ياسين بعينه.




