
- بقلم: د. عبدالعزيز علوان
سبتمبر في «السفر إلى الأيام الخضر» و«وجوه دخانية في مرايا الليل»
لا يتوقف البردوني عند التحولات التي أفضت بالثورة إلى الانكسار، وإنما يواصل البحث عن مخرج من دوائر التبعية، وكأن الطريق، مهما تاه، لا بد أن يستعيد اتجاهه.
ويبدأ هذا المسار من صنعاء التاريخية؛ المدينة التي تُفني ملوكها، ثم تستجدي ملوكًا سواهم:
لصنعا التي تُردي جميعَ ملوكِها
وتهوى وتستجدي ملوكَ سِواها
غير أن هذا الاستجداء لا يستقر على حال؛ فصنعاء، في جدلية الشروق والغروب، تأتي وتغرب لتأتي من جديد:
لصنعا التي تأتي وتغربُ فجأةً
لتأتي ويجتازَ الغروبُ ضُحاها
وفي قصيدة «لصٌّ تحت الأمطار»
تظهر التبعية السياسية في صورة ساخرة، ويتذبذب الاتجاه بين اليمين واليسار، وكأن المشكلة لم تعد في اختيار الطريق، بل في غياب الطريق أصلًا:
أيسارًا يا «صنعا» أمضي
أم أنتهجُ الدربَ الأيمنْ؟
هل هذا الأحسنُ أم هذا؟
يبدو لا شيء هنا أحسنْ
ثم تتخذ التبعية وجهًا اقتصاديًا، حيث تصبح الأموال نفسها مسلَّحة بفنون الإرهاب المتقن:
البنكُ مغالقُه أُخرى
تحتاجُ لُصوصًا من «لَنْدَنْ»
كلُّ الأموالِ مسلَّحةٌ
بفنونِ الإرهابِ المُتقَنْ
وعلى بُعد قصيدة من هذا الإرهاب، يقترب العدو القصي كلما ابتعد القريب، ويصبح الفراغ مهيأً لامتلاءٍ يأتي من خارج المأمول:
لماذا العدوُّ القصيُّ اقتربْ؟
لأنَّ القريبَ الحبيبَ اغتربْ
لأنَّ الفراغَ اشتهى الامتلاءَ
بشيءٍ فجاءَ سوى المُرتقبْ
وأمام هذا الخذلان المترامي الأطماع، ينبثق الإصرار؛ فلا يكون سقوط الذين مضوا سببًا للانخذال، بل دافعًا لمواصلة الشوط:
شوطُنا فوقَ احتمالِ الاحتمالْ
فوقَ صبرِ الصبرِ… لكنْ لا انخذالْ
نغتلي… نبكي… على من سقطوا
إنما نمضي لإتمامِ المجالْ
وهنا تستعيد القصيدة شيئًا من روحها الأولى: روح الإصرار على الفجر، لكن الفجر هذه المرة لا يأتي بسهولة، ولا يهبط من السماء مكتملًا، وإنما يصبح ثمرةً لشوط طويل من الصبر والمقاومة.
بعدئذٍ يظهر المستعمر السري متغلغلًا في تفاصيل الحياة، فلا يأتي في صورة الغزاة التقليديين، وإنما متخفيًا في التبعية، وفي الصدقات الوحشية التي تحاول أن تؤنسن وجهها الصخري:
غُزاةٌ لا أشاهدُهم
وسيفُ الغزوِ في صدري
فقد يأتونَ تبغًا في
سجائرَ لونُها يُغري
وفي صدقاتٍ وحشيٍّ
يُؤنسِنُ وجهَهُ الصخري
ثم يظهر أمير النفط بوصفه طرفًا في صناعة التبعية، فيما يتحول الداخل إلى أداة تنفيذية:
أميرُ النفطِ نحنُ يداكَ
نحنُ أحدُّ أنيابِكْ
ونحنُ القادةُ العطشى
إلى فضلاتِ أكوابِكْ
ومسؤولونَ في «صنعا»
وفراشونَ في بابِكْ
ومن دمِنا على دمِنا
تُمَوْقِعُ جيشَ إرهابِكْ
وأمام هذا
الجبروت، لا يكتفي سبتمبر البردوني الشعري بتشخيص خصمه، بل يحدد طبيعة المواجهة في الغزوة الثالثة؛ فالخصم هذه المرة ليس خصم الأمس، وأدواته لم تعد السيف وحده، وإنما النفط والسلاح والخبرة الحديثة في الموت:
خصمُنا اليومَ غيرُهُ الأمسِ طبعًا
البراميلُ أمركتْ «شيخَ ضَبَّهْ»
عندَهُ اليومَ قاذفاتٌ ونفطٌ
عندَنا موطِنٌ، يرى اليومَ دربَهْ
عندَهُ اليومَ خبرةُ الموتِ أعلى
عندَنا الآنَ، مهنةُ الموتِ لُعبَهْ
وفي ديوان «وجوه دخانية في مرايا الليل» يحتدّ الخوف السبتمبري أكثر، وهو يرى المساعدات تهوي بالبلاد إلى أغوار مطامعها وعقائدها؛ فالهبة ليست بريئة، والقرض ليس مجرد عون، وما يبدو أخوّةً قد يخفي وراءه مشروعًا آخر:
هِبةً بلا عِوَضٍ… قروضًا،
ذاتَ آجالٍ، بعيدةْ
لكنْ لماذا يُغدِقونَ؟
أشمُّ رائحةَ المكيدةْ
وأرى مؤامرةً، لها
شكلُ الأخوّةِ، والعقيدةْ
تدنو كمشفقةٍ، كعاشقةٍ،
كقاتلةٍ، عتيدةْ
ولا ينتهي الشوط عند الهزيمة، بل يمتد إلى سبتمبر المنافي؛ حيث يتحول المنفى إلى شاهد آخر على ثمن الوطن، ويظهر اليمني في أرصفة الخليج ومزارعه وأسواقه، بانيًا هذه الأمكنة ومضيئًا مسافاتها، ثم غائبًا عنها:
ألاقيكَ، أرصفةً في «الرياض»
وأوراقَ مزرعةٍ في «الكويتْ»
ومُكنسةً في رمالِ الخليجِ
شَتْ عن يديكَ، وأنتَ اختفيتْ
وإسفلتَ أسواقِ مستعمرٍ
أضأتَ مسافاتِها، وانطفيتْ
وروَّبتَها من عصيرِ الجبينِ
وأنتَ كصحرائها، ما ارتويتْ
- 2026.





