- بقلم: د. عبدالعزيز علوان

إذا كانت «مدينة الغد» قد قدَّمت الثورة في صورة الميلاد الموعود، فإن «لعيني أم بلقيس» تفتح الباب على الوجه الآخر لذلك الميلاد؛ فالحلم الذي جاء بعد انتظار طويل يجد نفسه أمام واقع آخر، يتحول فيه الانتشاء إلى سؤال، ويغدو الكأس الذي كان يمكن أن يكون رمزًا للفرح غير قادر على أن يمنح صاحبه ارتواءً:
روِّيهِ، أو حطِّمي في كفِّه القدحا
فلم يعد ينتشي، أو يطعم الترحا
لا، لم يحسَّ ارتواءً، أو يجد ظمأً
أو يبتهج، إن غدت أحلامُهُ منحا
لا تسألي: لم يعد من تعرفين هنا
ولّى وخلَّف من أنقاضِهِ شبحا
وهنا يتغير وجه الثورة في المخيال الشعري؛ فلم تعد صورة الميلاد وحدها هي الحاضرة، بل صار الخراب شريكًا في الصورة. ويأتي السؤال إلى التاريخ نفسه:
أهذه الحربُ، يا تأريخُ، كيف ترى
من خلفِ «جنّاتِ عدنٍ» أومأتْ سَقَرُ
ومرَّ عامٌ، جحيميٌّ، روائحُهُ
دمٌ، بحشرجةِ البترولِ، متَّزرُ
ودبَّ ثانٍ، خريفيُّ المدى، قلقٌ
يُفني، ويَفنى، ويحيا، وهو ينتحرُ
ويبلغ الإحساس بالمفارقة أقصاه حين تختصر الثورة، التي انتُظرت قرنًا وليلة، في صورة ميلادٍ ينفتح على القبر بدل أن ينفتح على الحياة:
ركضنا إلى الميلادِ قرنًا وليلةً
وُلدنا فكانَ المهدُ قبرًا تفتَّحا
ومِتنا كما يبدو، رجعنا أجِنَّةً
لنختارَ ميلادًا أشقَّ وأنجحا
فالثورة هنا لا تُلغى، لكنها لا تُمنح صفة الخلاص النهائي. إنما تصبح مرحلةً من مراحل البحث عن ميلاد آخر، وكأن اليمن لا يزال عالقًا بين ولادتين، أو بين فجرين، أو بين وعدٍ لم يكتمل ووعدٍ آخر لم يأتِ بعد:
فتمضي من دُجًى ضافٍ
إلى أدجى… إلى أضفى
صنعاءُ، من أينَ الطريقُ
إلى الرجوعِ أو العبورِ؟
ماذا ترينَ؟ أتسبحينَ؟
أتعبُرين بلا جسورِ؟
ثم يزداد السؤال قسوة حين يتجه إلى الذين ثاروا بالأمس، فإذا بهم قد أيقظوا الذئاب ثم ناموا:
والأُباةُ الذين بالأمسِ ثاروا
أيقظوا حولَنا الذئابَ وناموا
حين قلنا قاموا بثورةِ شعبٍ
قعدوا قبلَ أن يروا كيف قاموا
رُبَّما أحسنوا البداياتِ لكنْ
هل يُحِسُّون كيفَ ساءَ الختامُ؟
هنا ينتقل البردوني من الاحتفاء بالثورة إلى مساءلة الذين حملوا اسمها، ومن الثورة بوصفها فعلًا شعبيًا إلى الثورة بوصفها تجربةً سياسيةً لها قادتها ومآلاتها وأخطاؤها.
ولذلك يبدو سبتمبر نفسه كأنه مات، لكن موته ليس خاتمة؛ فأمه ما تزال تحمل إمكانية الميلاد، وكأن موت الثورة لا يعني موت الفكرة:
ماتَ «سبتمبرُ» البشيرُ ولكنْ
أُمُّهُ ناهدٌ هواها غلامُ
ثم تأتي سلسلة التواريخ وكأنها محاولات متتابعة لاستعادة الميلاد الذي لم يكتمل:
وُلدَتْ صنعاءُ بسبتمبرْ
كي تلقى الموتَ بنوفمبرْ
لكن كي تولدَ ثانيةً
في مايو… أو في أكتوبرْ
في أوّلِ كانونِ الثاني
أو في الثاني من ديسمبرْ
ما دامتْ هجعتُها حُبلى
فولادتُها لن تتأخَّرْ
وهكذا يتحول سبتمبر من تاريخ مغلق إلى زمن مفتوح؛ من ثورة حدثت إلى حلم يتجدد، ومن ميلادٍ أول إلى بحث دائم عن ميلاد أكثر اكتمالًا في الخيال الشعري، بينما يتحول واقعًا من طاغٍ إلى أطغى.
فنراه يأخذ منحًى خلافيًّا في شعر البردوني ابتداءً من هذا الديوان؛ إذ ينتقل السؤال من الثورة بوصفها خلاصًا إلى ما آلت إليه البلاد بعد الثورة، ومن الاستبداد القديم إلى استبدادٍ أشد قسوة، ومن مستعمرٍ ظاهر إلى مستعمرٍ خفي.
وهنا تأتي الصورة المكثفة التي تختصر مسارًا كاملًا من الانقلاب في المصير:
بلادي من يدَيْ طاغٍ
إلى أطغى إلى أجفى
ومن سجنٍ إلى سجنٍ
ومن منفىً إلى منفى
ومن مستعمرٍ بادٍ
إلى مستعمرٍ أخفى
ومن وحشٍ إلى وحشيْن
وهي الناقةُ العجفا
إنها ليست مجرد مقارنة بين ماضٍ وحاضر، وإنما إحساس بأن الثورة لم تستطع أن تنهي منطق القهر، بل ربما نقلته من صورة إلى أخرى. ولذلك لا يتوقف البردوني عند توصيف المآل، وإنما يرفع صوته في وجه صنعاء، مطالبًا إياها بالثورة من جديد:
صنعاءُ يا أختَ القبورِ
ثوري فإنكِ لم تثوري
فالمدينة التي شهدت الثورة لم تعد، في نظر الشاعر، مكتفيةً بما حدث؛ لأنها ما تزال تحمل في جسدها آثار القهر، وما يزال الميلاد الحقيقي مؤجلًا.
ثم يأتي السؤال عن موت صنعاء المتكرر، وعن ذلك الميلاد الذي يظل يلوح ثم يبتعد:
تموتينَ… لكنْ كلَّ يومٍ وبعدما
تموتين تستحين من موتِكِ المُزري
ويمتصُّكِ الطاعونُ لا تسألينَهُ
إلى كمْ؟ فيستحلي المقامَ ويشتري
تموتينَ… لكن في ترقُّبِ مولدٍ
فتنسينَ أو ينساكِ ميعادُهُ المُغري
إنها جدلية الموت والميلاد التي رافقت صورة سبتمبر منذ البداية: موتٌ لا يفضي إلى نهاية، وميلادٌ لا يكتمل. وفي المسافة بين الاثنين يتشكل المواطن اليمني الذي حملته الثورة بوعد الوطن، ثم وجد نفسه في واقعٍ لا يمنحه حتى معنى الانتماء:
مواطنٌ بلا وطنْ
لأنَّه من اليمنْ
تُباعُ أرضُ شعبِه
وتُشترى بلا ثمنْ
* تعز_ 2026.




