- كتب: رئيس التحرير
حين تتزاحم أصوات التعبئة وتصبح الحرب لغة وثقافة، يواجه الصحفي اختبارًا مصيريًا.. إذ يجد نفسه وجهًا لوجه أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن يتمسك بسلطة مهنيته.. أو يتجرد منها ويتحول إلى مجرد صدى لخطابات أحادية تتقن صناعة الأوهام وتضليل الوعي.
الحقيقة، تظل الصحافة السلطة الرابعة والبوصلة الإعلامية الضابطة لتوجهات المجتمع واتجاهاته.. فرسالتها الجوهرية المراقبة والتقويم وكشف الخلل لحماية القضية الوطنية من التآكل الداخلي. وبالتأكيد إن تسليط الضوء على مكامن الخلل ومواطن الضعف أو الفساد ليس خيانة.. إنما هو وقاية وحماية من تفشي الداء.
ولهذا في أوقات الأزمات غالبًا ما تُستغل شعارات التعبئة مثل “واحدية المعركة” كفخ لتغييب صوت العقل وفرض صوت أحادي لا يقبل النقاش ولا يحتمل التعددية. حين يقع الصحفي في هذا الفخ وينقاد خلف موجات التمجيد والتبرير تحت ذريعة “الضرورة السياسية” أو ” الواجب الوطني المزعوم” فإنه يتخلى تدريجيًا عن حصانته المهنية.. ليتحول من مراقب مستقل يقرأ الواقع بموضوعية إلى مجرد بوق يكرر الروايات الزائفة بلا تمحيص ولا وازع ضمير.
والحاصل، هذا السقوط المهني لا يمر دون ثمن فادح.. فهو يحرم الرأي العام من حق رؤية الواقع على حقيقته المجردة ويترك صانع القرار في عزلة عمياء بلا رقابة أو إمداد مجتمعي صادق، مما يقوض الجبهة الداخلية من جذورها ويفقدها أهم عناصر تماسكها.. ليقودها حتمًا إلى الفشل المتراكم وتفاقم الخسائر على كافة المستويات.
بالتالي، تصبح المعادلة أكثر وضوحًا وقسوة أمام كل من يحترم قلمه ويقدس رسالته.. إما أن تمارس كصحفي سلطتك بمهنية مستقلة وفقًا لما هو متاح لك دون ضرر أو إضرار، أو أن تصمت وتلتزم العزلة المشرفة بدلًا من العمل كماكينة تزييف تطال وعي شعب بأكمله.
ومن هنا يمكن القول إن بقاء المجتمع حرًا متسلحًا برؤيته الواضحة وفي مواجهة مباشرة مع سلطة الواقع ومعطياته الحقيقية مهما كانت قاسية، يظل أجدى وأنفع للوعي وللقضية وللوطن والإنسانية برمتها. فالصمت النبيل أهون أثرًا وأطول نفسًا من الأكاذيب الممنهجة.. بينما تبقى الحقيقة المرة دومًا وأبدًا أصلب عودًا من أوهام الانتصارات المزيفة!





