- ضياف البراق
الشيء الفارغ، بل أي شيء فارغ، هو مزعج، مزعج دومًا، بشكل أو بآخر.
لهذا قال المَثلُ المشهور: الوعاء الفارغ أكثر ضجيجًا.
أكثر رجال الدين، في عالمنا العربي، هم مجرد أوعية فارغة. لهذا هم مزعجون.
مزعجون في كل شيء. إنهم مهتمون بتوافه الأمور، بتوافه العصور، ليس لديهم
طموحات جميلة، بل يقمعون جميع المشاريع العظيمة والأحلام الجميلة. إنهم
مجرد كوارث!
الحقيقة هي أن رجال الدين في الغرب، تحديدًا في هذا العصر
الذكي، السريع، ليسوا مزعجين، ولا متوحشين، مثلما كانوا قبل عصر الأنوار.
إنهم لا يخنقون أبناء بلدانهم بترديد
السخافات والكلام الهراء على مسامعهم. إنهم أنقياء، لا يتدخلون في الأمور
التي ليست من شأنهم، ولا يكذبون على الناس باسم الدين، ولا يقمعون حرية أحد
بدافع ديني. هذا هو التديّن السليم.
يصبح رجل الدين إنسانًا جميلًا، ومُضيئًا، عندما يَقرأ في مختلف المجالات،
عندما يملأ عقله بحقائق العلم وقوانين التطور، عندما ينفتح على جميع
ثقافات العالم. أي، باختصار، عندما يصبح مثقفًا، لا دجالًا أو ثرثارًا.
أغلب رجال الدين عندنا هم غير مثقفين البتة، بل مجرد أوعية فارغة إلَّا من
السخافات والأوهام والتطرف. هؤلاء، بلا شك، لا يقرأون مؤلفات الفلاسفة،
ولا الآداب الحديثة، ولا يكترثون للفنون، ولا يواكبون حركة العصر. إنهم،
فقط، يقرأون كتب التراث، يحفظون صفحاتها بامتياز، ويسعون دائمًا لجعل الناس
مجرد آلات تابعة لهم، أو أجسام ميتة لا تصلح لشيء. الفارغون متطرفون على
الدوام، ومن أجل أتفه الأشياء.
هذا هو جنون رجل الدين عندنا: يهتم بتربية لحيته، ولا يهتم بتربية عقله وتغذية روحه من نور المحبة والجمال. يهتم بالشكل لا الجوهر. يهتم بالموت لا الحياة. يحافظ على الماضي فقط، ويَقتُل حاضرَ ومستقبلَ الناس. يجعل الدين وسيلة للنهب، والخداع، والقمع، والتفريق، ولا يجعله رسالة للتنوير، والإصلاح، والتوفيق، والبناء.
يخيفني غرور الأوعية الفارغة: إنه غرور كريه، متغطرس، قاتل!
العقل الفارغ مزعج جدًّا؛ لأنه لا يتقن شيئًا غير الكذب، وإنتاج البؤس، وممارسة القمع، فقط!
عندما يتسلط عليك العقل الفارغ، أو عندما يحكم بلادك، فإنه يقتلك ويقتل بلادك، بجميع الوسائل والخرافات والأوهام.
كم هم مزعجون أصحاب الرؤوس الفارغة!
خلف كل رأس فارغ، إمّا غرور لعين، أو ضمير شبه ميت. خلف كل رأس فارغ، ضجة مقرفة!




