
- بقلم: سلطان العزعزي
باقتدار إبداعي ملحوظ تختط الشاعرة المبدعة سكينة شجاع الدين خوض غمار كتابة القصة القصيرة عبر مجموعتها (محاريب قد تلين) – طبعة ثانية – صادرة عن نادي القصة (إلمقه). تحتوي المجموعة ما يقارب 100 نص قصصي؛ توزعت النصوص إلى (قصص قصيرة، وأقصوصة الأكثر قصراً، أو ما تسمى قصة الومضة.. وهي قصة قد لا تتجاوز بضعة أسطر حيث تتميز بالعمق والتكثيف والاختزال السردي والإيحاء، رغم أنها تشترك مع القصة القصيرة في إيصال نفس الفكرة).
تنهض قصص مجموعة (محاريب قد تلين) وتتمحور سردياً حول عدد من القضايا والهموم الإنسانية والاجتماعية الواقعية، ويشكل الإنسان بأحلامه وآماله وتطلعاته وأوجاعه وهمومه وانتصاراته وانكساراته في علاقته بالواقع المحيط مركز اهتمام الرؤية وكثافة السرد. وتكشف قصص المجموعة عن امتلاك المؤلفة وعياً ورؤية سردية وتفرداً أسلوبياً، استطاعت من خلاله أن تستقدم موضوعات القصص من الواقع المعاش وتجعلها تنبض بالحياة وتستنهض إحساس وتعاطف القارئ مع شخصيات وأبطال القصص عبر أسلوب ولغة وحبكة وأحداث إبداعية واقعية، قادرة أن تنتزع القارئ من حياديته وتضعه أمام حالة شعورية مضاعفة من الإحساس والمشاركة الوجدانية والانحياز والتعاطف إزاء مصائر شخصياتها وهي تخوض صراعها مع واقعها المحيط.
كما تنفتح مجموعة القصص في معالجتها على عدد من الهموم والاشتغالات الإنسانية؛ مثل: تشرد الطفولة وخوضهم في سن مبكرة إلى سوق العمل بحثاً عما يسد رمق حاجتهم وأفراد أسرهم جراء ما يواجهونه من الحاجة والعجز إزاء متطلبات العيش، وما ينتج عن ذلك من معاناة وصراع نفسي للأطفال عند خوض هذه التجربة ونظرة المجتمع وتعاملهم مع هذه الشريحة كما في قصة (طفولة مشردة). كما تشكل مكابدات ومعاناة شريحة من الشباب الميسوري الحال وما يرسمونه من أحلام وتطلعات ببناء حياة أسرية، وهم يقدمون على فترة الخطوبة التي قد تفضي إلى الفسخ والإلغاء وتسقط بعد فترة جراء عدم القدرة على الوفاء بالمتطلبات والاشتراطات المتزايدة في ظل تدني وانعدام فرص عمل تسند وتسد حاجتهم لتحقيق هذا الحلم كما في قصة (عتمة جارفة).
كما تستدعي المؤلفة معاناة المرضى الذين تستدعي حاجتهم إلى طلب العلاج والتشافي خارج وطنهم في ظل ظروف الحصار غير الإنساني على البلد، وما قد يتعرض له هؤلاء المرضى من تضاعف المعاناة والاستغلال والابتزاز من قبل أشخاص وعصابات تستغل أوضاعهم الإنسانية الصعبة بتجرد أخلاقي خالٍ من الضمير والقيم الإنسانية ربما تصل أحياناً إلى المتاجرة بالأعضاء، وما يتركه ذلك من آثار إنسانية ونفسية على المرضى وأفراد أسرهم كما في قصة (على نبض الأسى).
وتشكل المرأة كإنسانة وأم وزوجة وشريكة حياة وأخت وابنة، أحد محاور وموضوعات السرد القصصي لاسيما قصص الومضة، إذ تستحضر المؤلفة وضع المرأة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية رأسياً وعمودياً في علاقاتها داخل الأسرة أو المحيط الاجتماعي المحيط، وما يترتب على التعاطي معها كطرف أضعف أحياناً من تبعات غير منصفة داخل شبكة هذه العلاقات وما قد ينتج عن ذلك من التوتر والصراع في العلاقة الذي قد يفضي أحياناً إلى الانفصال، وهو ملمح يحضر كأحد موضوعات السرد التي تحاول المؤلفة أن تترسم آثارها المختلفة على نمط حياة واستقرار الشخصيات السردية.
ثمة ملمح مايز تتسم به قصص المجموعة يتمثل في تنوع أسلوب السرد، حيث يتوزع السرد تبعاً لنوعية الحدث والشخصية والحبكة، وهو ما يجعل المؤلفة تستخدم تقنية بنوعية السرد الخارجي الذي يتسم بهيمنة صوت السارد الخارجي الذي يصف القصة وأحداثها بصوت المؤلف كقصة (عتمة جارفة) و(أم مع وقف التنفيذ..). بالإضافة إلى استخدام تقنية “الفلاش باك” – أي استرجاع أحداث القصة تذكّرياً على لسان شخصية القصة نفسها (بطل القصة) – كما في قصة (طفولة مشردة)، حيث يرد في مطلعها:
”كنت على مقربة من سوق المدينة أتضور جوعاً. تشفق علي الطريق من صرخات بطني المتتالية، ثمة كلب صغير يرافقني كلما رآني أتلوى اقترب مني”.
كما يحضر أسلوب الفلاش باك أيضاً في قصة (عينيه زاداً).. وهو ملمح يعكس استيعاب المؤلفة للأساليب التقنية في السرد وخصائص ومقومات كتابة هذا الشكل الإبداعي لكتابة فن القصة، ويتجلى هذا الملمح عبر إجادة كتابتها بنمطيه الثنائي: (القصة القصيرة)، والأكثر قصراً المسماة بـ(الأقصوصة) أو الومضة. ويتضافر هذان الملمحان ليكشفا عن امتلاك المؤلفة سكينة لاقتدار وموهبة لا تقل شأناً عن موهبتها الشعرية التي عرفت بها ولازمت حضورها في المشهد الأدبي، أو عبر مواقع التواصل والمنصات والمناشط الإبداعية والثقافية.
كما أن ثمة تمايزاً ملحوظاً في لغة المجموعة القصصية من خلال وجود تضام وتواشج وعناق حميم بين لغة الشعر ولغة السرد بتميز وتوازٍ، دون أن يهيمن أحدهما على الآخر أو يترك لغة وأسلوب أحدهما يقع أسيراً في قبضة الشكل الآخر.
يضاف إلى ذلك اعتماد القاصة سكينة أسلوب تقنية “المفارقة” في معظم نصوص المجموعة، إذ تضفي من خلالها على إنتاج الأثر والعمق النفسي على القارئ، وينفتح عبره حقل فني ودلالي يفسح ممراً للانفتاح التأويلي والقرائي. كما تمتاز النصوص بالواقعية والانحياز للبعد الإنساني حيث تستقي المؤلفة أحداث وشخصيات قصصها بعناية وتلتقط معاناتهم وأحلامهم وصراعاتهم في الواقع وتضعها داخل سبيكة القصة في حبكة محكمة قادرة على انتزاع أثرها وترك ندوبها في وجدان القارئ؛ فهي شخصيات أغلبها من الشرائح والفئات الاجتماعية من البسطاء والمنسيين الذين لا يُسمع صوتهم بوضوح كافٍ، ولا تتصدر أوجاعهم وهمومهم المنصات الإعلامية و”الترندات”.
إن المبدعة سكينة شجاع الدين تفعل ذلك برشاقة فنية بعيداً عن المباشرة والتلقين، حيث تضعنا كقراء ومتلقين أمام شخصيات واقعية تظل تتفتح أحلامهم وجراحاتهم أمام أعيننا، ولا تجد من يضمد نزيفها أو يهتم بما تكابده هذه الشخصيات، وكأنها تدق جرس إنذارها الإبداعي لتوقظ أسماعنا وأرواحنا، وترسم علامة استفهام أمام محاريب الضمائر والقيم والفضائل الإنسانية والأخلاقية للمجتمع وأمام القلوب المتصلبة بالقسوة.
إنها تنتزع تعاطفنا وآهاتنا كقراء في نهاية النصوص وتستدعي إحساسنا بالمسؤولية ونحن نقف في محاريب القيم علنا نسهم في إيقاف النزيف؛ دعوة للضمائر والقلوب المتصلبة بالقسوة لعلها قد تلين وتسارع إلى وضع الضمادات لإيقاف مزيد من التآكل والهشاشة والنزيف الذي قد يحدث دون أن يثير اكتراثاً يذكر.




