- بقلم: منصور السروري
من عيون الشعر الوجداني والموسيقى التعبيرية في العصر الحديث، تبرز رائعة “أشواق” كنموذج استثنائي تضافرت فيه عبقرية الكلمة مع جلال النغم.
هذا العمل، الذي صاغ كلماته الشاعر مصطفى عبد الرحمن وتوّجه الموسيقار رياض السنباطي بلحن عبقري، يمثل علامة فارقة في مسيرة “المونولوج الرومانسي العربي”.
إنها قصيدة تجسد الرومانسية في أصفى تجلياتها وأعلى مراتبها الوجدانية، حيث تلتحم الطبيعة بالذات الإنسانية، ويتحول الحاضر إلى مرآة مصقولة تعكس ألم الفقد والغياب، وتتشتت فيها الذات بين ذكريات ماضٍ مشرق ومرارة واقع مظلم.
وقبل الدخول في تفكيك بنية هذه القصيدة الفريدة، ومعرفة مضامينها الفلسفية والجمالية، وتتبع مساراتها المقامية والإيقاعية التي شيدها السنباطي، حري بنا هنا أن نورد نص قصيدة “أشواق” كاملاً كما تضمنه ديوان الشاعر (أغنيات قلب)، ليكون نقطة الانطلاق في هذه القراءة التفكيكية المعمقة.
***
نص قصيدة “أشواق”
المقطع (1)
أيها الناعم في دنيا الخيال
تذكر العهد وماضي الصفحات
أعَلى بالك ما طاف ببالي
من ليالٍ وعهود مشرقات؟
لا رأت عيناك شكي وضلالي
وحنيني ولهيب الذكريات
عندما يعرضها الماضي لعيني
صوراً تجلو الذي ضيَّعت مني
من ليالٍ بهوانا راقصات
المقطع (2)
هتف الصبح وغنى بنشيد
رائع اللحن شجي النغمات
كالمُنى تُقبل كالحلم السعيد
في خيال كابتسام الزهرات
بيدَ أني لا أبالي بالوجود
ولياليه الحسان النيرات
إن يكن قلبك لا يسمع لحني
فلمن يا فتنة الروح أغني؟
للهوى سر المعاني الخالدات
المقطع (3)
آه لو تسمعني أشكو الجوى
يا حبيبي آه لو تسمعني
وترى القلب ونيران الهوى
ولظاها ودموع الشجن
لترفقتَ بقلبي فانطوى
ما بقلبي من هوى أرقني
أين أحلام شبابي؟ أين مِنّي؟
أمسيات من فتون وتمنِّي
وعيون الدهر عنا غافلات
يا حبيبي أيقظ الماضي شجوني
حينما طافت رؤاه في خيالي
وتلفتُّ بعيني ليقيني ..
فإذا الحاضر كالليل حيالي
وإذا بي قد خلت منك يميني
وانطوى ما كان من صفو الليالي
المقطع (4)
طال بي شوقي لأيام التغني
وليالٍ هن بعضي غاب عني
فأعِد لي ما انطوى من بشريات.
***
لقد حظيت هذه القصيدة بمكانة رفيعة في أروقة التوثيق الفني؛ إذ لحنها وغناها الموسيقار رياض السنباطي في البداية بصوته وعوده، ليمهد الطريق للأداء الأوركسترالي الكبير، وبعد ذلك أعادت غناءها المطربة ميادة الحناوي لتضفي عليها أبعاداً صوتية جديدة.
ولأهمية هذا العمل وعمق شجونه، أطلق المؤرخ الموسيقي فرج العنتبلي على القصيدة وصف (الآهات الكبرى)، وهو وصف دقيق يلخص ما يكتنزه العمل من شجن ومقامات حزينة تلامس شغاف القلوب.
عند دراسة هذا العمل، نجد أننا أمام تلاحم بنيوي لا ينفصم بين لغة الشاعر ونغم الموسيقار؛ ولذلك تتمحور البنية النصية والمقامية للقصيدة ومضامينها الإنسانية على النحو المفصل أدناه.
أولاً: البنية الإيقاعية والموسيقية للنص المكتوب
يكشف الهيكل الإيقاعي للقصيدة عن تمرد واعٍ ومقصود على سلطة العمود الشعري التقليدي الصارم؛ حيث يتخلى الشاعر عن وحدة القافية الرتيبة لصالح تعدد القوافي والمقاطع، محاكياً نظام الموشح أو المونولوج الحديث.
هذا التعدد يمثل تساوقاً بنيوياً يفكك استقرار الوزن الخليلي ليتناسب تماماً مع تشتت الذات الرومانسية وانقسامها الداخلي، وهو بناء هندسي مرن يمنح النص فضاءً واسعاً للتعبير عن التقلبات النفسية عبر مستويين.
1 ـ التدفق الشعوري الحاد
ينتج الانتقال المفاجئ من قوافي التاء المكسورة ذات النبرة الباكية والساكنة في المقطع الأول والثاني (الذكريات، النغمات، الصفحات) إلى الياء الممتدة في المقاطع اللاحقة (مني، أغني، شجوني، يميني) إزاحة دلالية ونفسية عميقة.
هذا التحول ينقلنا من البكاء الهادئ المستسلم إلى صرخة استغاثة شجية، حيث تتضافر حركات المد اللغوي مع انكسار الإيقاع لتجسيد الاغتراب الذاتي بأبهى صوره.
2 ـ اللحن الكامن في بنية الكلمة
تنضح كلمات الشاعر بموسيقاها الداخلية الخاصة قبل أن تمسها يد الملحن، مثل قوله: (صوراً تجلو الذي ضيعت مني).
هذا اللحن الكامن التقطه السنباطي بذكائه الموسيقي المعهود، فجاءت الألفاظ طيعة للمد والترجيع والتلحين، ملغية المسافة التقليدية بين الدال والمدلول.
ونفس الأمر نلمسه في قوله: (فأعِد لي ما انطوى من بشريات)، حيث يفكك الصدى الصوتي المتولد من حركة الحروف ثبات النص المكتوب، ويفتحه على فضاءات التلقي السمعي الرحب.
ثانياً: الملحمة المقامية للسنباطي والتلوين النغمي
لم يكن رياض السنباطي مجرد ملحن يصيغ قالباً نغمياً للكلمات، بل كان مفككاً بارعاً للنص، حيث تعامل مع القصيدة كحالة نفسية مركبة تتطلب طاقة تعبيرية هائلة.
لم يربط السنباطي اللحن بمقام موسيقي واحد دائم، بل جعل الموسيقى تتحرك في “متاهة مقامية” موازية لمتاهة الحضور والغياب، والوصل والهجر التي يعيشها الشاعر، ويتجلى هذا التلوين المقامي العبقري في الأجزاء التالية.
1 ـ الاستهلال واستدعاء الذكرى (مقام الراست)
اختار السنباطي للقصيدة مقام الراست ليفتتح به الأغنية في المقطع الأول عند قوله: (أيها الناعم في دنيا الخيال).
والراست هو سيد المقامات العربية وأكثرها وقاراً، ووضوحاً، ورسوخاً.
أراد السنباطي من خلال هذا المقام أن يعبر عن ثبات الذات وتماسكها قبل أن تشرع في الغوص في بحر الذكريات؛ فالراست هنا يمثل أرضية صلبة، لكنه جاء مشوباً بنبرة عتاب هادئة ومغلفة بالشوق والوقار الإنساني.
2 ـ الرومانسية الحالمة والانتقال النغمي (الكرد والنهاوند)
في المقطع الثاني، عندما يتبدل المزاج الشعري ويشرق الفجر بتفاؤله المتخيل (هتف الصبح وغنى بنشيد)، ينسل السنباطي بمرونة فائقة وعبقرية فذة نحو مقامي النهاوند والكرد.
هذه المقامات تمتاز بخلوها من ربع التون (المسافة الشرقية الخالصة)، وهي مشهورة عالمياً وعربياً بقدرتها على إبراز العاطفة الجياشة، والشجن الرقيق الحالم.
يمنح هذا التحول المقامي المستمع شعوراً بالتحليق في “دنيا الخيال”، والابتسام الساحر كابتسام الزهرات، محاكاةً للبهجة المؤقتة التي يستحضرها الشاعر من ماضيه.
3 ـ ذروة الوجع والاعتصار النفسي (مقام الصَّبا)
عندما يصل النص إلى ذروته الدرامية الوجدانية في المقطع الثالث (آه لو تسمعني أشكو الجوى)، يفجر السنباطي قنبلته المقامية باختيار مقام الصَّبا.
ومقام الصبا هو المقام العربي الفريد الذي ينضح بالحزن الفطري، والانكسار، واللوعة، نظراً لأبعاده السلمية غير المكتملة (التي تحوي عقداً ناقصاً).
طوّع السنباطي هذا المقام ليترجم صرخة الشاعر الوجودية؛ فتحولت كلمة “آه” في اللحن من مجرد زفرة عادية إلى “آهات كبرى” ممتدة ومكررة، تتداخل فيها الآلات الموسيقية مع صوت المغني لتعبر عن “نيران الهوى ولظاها”.
ثم يأتي الارتطام المفاجئ والصادم بصخرة الواقع عند قوله: (فإذا الحاضر كالليل حيالي)؛ حيث صِيغَ هذا المقطع بنقلة مقامية مباغتة تُشعر المستمع بنهاية الحلم والعودة إلى الظلام.
ثالثاً: الصور الفنية والتقابل والتشخيص
تقوم قصيدة “أشواق” في بنيتها الجمالية على ثنائية حادة وصارمة هي: (الماضي المشرق المليء بالحياة / الحاضر المظلم المترع بالفقد).
ومن خلال تقويض هذه الثنائية وتفكيك مركزيتها في مخيلة الشاعر، تتولد الصور الفنية المبتكرة نحو.
أنسنة الزمن وتحريكه ككائن حي: لا يتعامل الشاعر مع الماضي بوصفه زمناً ميتاً أو حقبة منتهية، بل يتحرك في نصه ككائن حي نابض؛ فالصبح “يهتف ويغني”، والليالي تأتي “راقصات”، والعهد يبدو “مشرقاً”.
يضفي الشاعر هنا صفة الحياة والحركة على الزمان والمكان ليعكس عمق السعادة الراحلة، محولاً الغياب المعنوي إلى حضور كثيف وملموس يملأ مساحات النص.
التجسيد في عيون الدهر: يبرز التشخيص الرائع للمشاعر في عبارة (وعيون الدهر عنا غافلات).
تستعير بنية النص للدهر عيوناً في صورة تراثية رشيقة ومجددة في آن واحد؛ لتعلن أن الزمن منح الحبيبين لحظة صفو نادرة واستثنائية قبل أن يستيقظ ويسرقهما، وهي استعارة تفكك حتمية الزمن الموضوعي لصالح زمن ذاتي متخيل يعيشه العاشق وحده.
السريالية العاطفية ومفهوم الأثر: يتجلى حضور السريالية في قول الشاعر: (أيها الناعم في دنيا الخيال).
هذا الحضور يضع المحبوب في إطار هلامي ضبابي؛ فهو موجود وغير موجود في آن معاً، ليمثل مفهوم “الأثر” في التحليل التفكيكي؛ حيث يعيش الحبيب في برجه العاجي الناعم بينما يحترق الشاعر في “لهيب الذكريات” الواقعية الملموسة.
رابعاً: تحرر الإيقاع والتصوير الموسيقي للكلمات
تماشياً مع تمرد القصيدة على السائد، قدم السنباطي في هذا اللحن حلولاً إيقاعية وصوتية بالغة الذكاء، جعلت الموسيقى مرآة حقيقية للألفاظ.
1 ـ التحرر الإيقاعي (المُرسَل الحر)
استجابةً لتعدد المقاطع والقوافي، تحرر السنباطي من الإيقاعات الراقصة الرتيبة أو البحور الإيقاعية الصارمة التي تكبل الأداء التعبيري.
اعتمد الموسيقار على الإيقاع المرسل (المُرسَل الحر) في أجزاء واسعة وعميقة من المونولوج.
هذا التكنيك يمنح المطرب مساحة حرة للمد، والترجيع، والتلوين الفردي، وكأن الشاعر لا يغني أمام جمهور، بل يتحدث إلى نفسه ويناجي روحه في وادٍ مهجور من البشر.
2 ـ التصوير الموسيقي المباشر للمفردات
برع السنباطي في جعل الموسيقى “تصف” الكلمة وترسمها في مخيلة المستمع؛ فعند قوله: (وتلفتُّ بعيني ليقيني)، نجد الجملة الموسيقية تتردد وتلتفت صعوداً وهبوطاً بطريقة تحاكي حركة العين الحائرة المترددة.
عندما يصل إلى قوله: (وإذا بي قد خلت منك يميني)، تهبط الآلات الموسيقية فجأة وتخفت حدتها، لتعبر بدقة متناهية عن الفراغ الحسي والمادي، وتجسد لحظة الفقد الجسدي بعد الفقد المعنوي.
خامساً: التحليل الوجودي والموضوعي لأزمات الذات
يكشف التحليل النقدي المعمق للقصيدة عن تمحورها حول حزمة من القضايا الإنسانية والوجودية الفلسفية التي تتجاوز مجرد كونه عتاباً عاطفياً تقليدياً.
1 ـ الاغتراب الوجداني وعدم التكافؤ
تفتتح القصيدة عوالمها بعتاب رقيق يفيض بالمرارة: (أعَلى بالك ما طاف ببالي؟)، ليؤصل لاختلال التوازن العاطفي بين طرفي العلاقة.
يقدم هذا العتاب نقداً مبطناً لعدم التكافؤ؛ فالشاعر يعيش حالة “الضلال الشجي” والحنين والاحتراق، بينما يقبع المحبوب “ناعماً” هانئاً في خياله وغيابه.
ويبلغ هذا الانفصال ذروته الفلسفية في التساؤل الحزين: (إن يكن قلبك لا يسمع لحني .. فلمن يا فتنة الروح أغني؟).
هذا السؤال يقوض نفسه تفكيكياً؛ إذ يمارس الشاعر فعل الغناء الفعلي وينتج هذا اللحن العذب، بينما يقر في الوقت ذاته باستحالته وجدواه.
يمثل هذا المقطع مركز الثقل؛ حيث يتفكك الفن والشعر واللحن، ويفقد قيمته الأنطولوجية والوجودية إذا لم يصل إلى قلب المحبوب المستهدف.
2 ـ النزعة الشجية (الميلودراما الرومانسية)
يشهد المقطع الثالث تحولاً درامياً مكثفاً يستنطق الوجع الإنساني عبر عبارة: (آه لو تسمعني أشكو الجوى).
يستدعي الشاعر هنا مفردات من القاموس الرومانسي التقليدي مثل (الجوى، نيران الهوى، لظاها، دموع الشجن) ليعيد إنتاج سلطة العاطفة على اللفظ.
ورغم تقليدية هذه المفردات في الشعر العربي، إلا أن ترتيبها التصاعدي ونفسها المونولوجي الدرامي يعفيها من التكرار؛ فهي بمثابة استجداء عاطفي تبرره الصدمة الوجودية التي تظهر بوضوح في لحظة الاصطدام بالواقع المادي الحزين.
سادساً: القفلة الشعرية وتدوير النهاية المقامية
يختتم الشاعر قصيدته بصرخة استنجاد يائسة، مكثفة وموجزة: (فأعِد لي ما انطوى من بشريات).
هنا يتجاوز التكرار الضمني حدود الفصاحة اللفظية التقليدية، ليتحول بفضل رؤية السنباطي إلى ما يشبه المحاكاة السينمائية لصدى الصوت في وادٍ سحيق مهجور؛ حيث يمارس استدعاء الماضي تفكيكاً للمعنى الأول، لينتج في النهاية إقرارات بالعدم المطلق.
فالشاعر يوقن في أعماقه أن ما ضاع وانطوى لا يمكن أن يعود، لكنه يصر على ختم القصيدة بطلب المستحيل، ممثلاً قمة العجز الإنساني أمام جبروت الفقد وحتمية الزمن.
تجلت عبقرية السنباطي في تدوير هذه النهاية مقامياً؛ حيث يعود باللحن في المقطع الأخير إلى مقام البداية (الراست) أو قفلة النهاوند المستسلمة الحزينة.
هذا التدوير المقامي يعكس فلسفياً فكرة “الدائرة المفرغة”؛ فاللحن يقفل من حيث بدأ، ليوحي للمستمع بأن الشاعر يدور في حلقة مفرغة من الشوق لا تنتهي، وأن المستحيل الذي يطالب به قد انغلق عليه القوس الموسيقي تماماً، لتبقى القفلة مشرعة على غياب أبدي لا يمتلئ.
***
إن قصيدة “أشواق” لم تكن مجرد لوحة رومانسية تقطر عذوبة وشجناً صاغها مصطفى عبد الرحمن، بل كانت أيضاً أرضاً خصبة استخرج منها رياض السنباطي بعبقريته المقامية والإيقاعية دراما موسيقية خالدة.
لقد استطاع هذا الثنائي تنسيج المشاعر الإنسانية المجردة وتحويلها إلى صور بصرية، وحركية، ومقامية دافئة، مما جعل “أشواق” بحق واحدة من عيون الروائع الكبرى التي خلدت الأبعاد التعبيرية والدرامية الكامنة في ذاكرة الفن والموسيقى العربية.




