
تكشف التطورات الأخيرة في حوض البحر الأحمر عن نقلة نوعية في الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تطويق مصادر التهديد، وتحديدًا القادمة من اليمن، عبر بناء موطئ قدم عسكري ولوجستي مباشر في إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند)، مما يضع المنطقة أمام معادلة أمنية شديدة التفجير.
مؤخرًا تحركت تل أبيب نحو خاصرة القرن الأفريقي عبر خطوات متسارعة بدأت باعترافها الرسمي بالإقليم الانفصالي في كانون الأول/ديسمبر 2025 كمدخل شرعي للوجود اللاحق، تلاه نشر قوة عسكرية صغيرة (نحو 50 جندياً) من أصول أفريقية مطلع عام 2026 لتجنب لفت الانتباه، وصولًا إلى الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الإقليم، عبد الرحمن محمد عبد الله، إلى إسرائيل في 14 حزيران/يونيو 2026، بهدف فتح سفارة في القدس وسط حفاوة بالغة من بنيامين نتنياهو تعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها إسرائيل لهذا التقارب لتوسيع نفوذها الاستخباري والعملياتي.
في المقابل صعدت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن من لغة تهديدها، حيث أعلن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي، مهددًا باستهداف أي تمركز عسكري إسرائيلي في الإقليم بكل الوسائل المتاحة، بينما اعتبرت الخارجية في صنعاء أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى تمزيق وحدة الصومال وتحويل المنطقة إلى ساحة صراعات دولية بتكلفة باهظة للأمن الإقليمي. وتدرك الجماعة أن هذا الوجود المتاخم يمنح إسرائيل قدرات متقدمة لرصد وتتبع الصواريخ والمُسيّرات، وشل فاعلية الحصار البحري المفروض في خليج عدن.
وفي قراءة سياسية لأبعاد ما يحدث.. حذر المفكر اليمني ونقيب الصحافيين الأسبق عبدالباري طاهر، في حديثه لـ “القدس العربي”، من خطورة التواجد الإسرائيلي في “أرض الصومال” وميناء بربرة، معتبرًا إياه تهديدًا مباشرًا يبسط الهيمنة الاستخباراتية والعسكرية للاحتلال على جزر وموانئ البحر الأحمر وخليج عدن.
وربط طاهر هذا التمدد بخارطة إقليمية أوسع تتناغم مع التحركات والسيطرة الإماراتية في الموانئ والجزر اليمنية (كإنشاء مطار في جزيرة ميون)، مما يشكل “قوس نفوذ” يمتد من تل أبيب إلى أبوظبي، ويستغل حالة التفكك والحروب في دول المنطقة لتمرير مخطط “الشرق الأوسط الجديد” بالدم، مستشهدًا بمسار المخطط الصهيوني المستمر منذ عام 1948 والذي يقضم جغرافيا المنطقة في ظل تواطؤ أو استكانة الأنظمة.
ويرى طاهر أن الفداحة الأكبر تكمن في حالة التشظي التي تعيشها البلاد، حيث يغرق قادة الميليشيات المحلية في صراعات بينية وأنانية ضيقة على السلطة والنفوذ، متناسين الخطر الخارجي الوجودي بل وقد يلتجئ بعضهم للعدو لمواجهة شقيقه. هذا الانقسام السياسي يوازيه وضع إنساني كارثي يطحن المواطن اليمني الذي يعاني المجاعة وفقدان أبسط مقومات الحياة والأمان، مما يستدعي—حسب تعبيره—يقظة شعبية وعربية عاجلة لإدراك هذا الخطر المركب والمزدوج الذي يجمع بين المشاريع الاحتلالية المجتاحة وبين ضعف الأنظمة وتواطئها.




