- لافتة احتجاجية
حلّ التاسع من يونيو حاملاً معه غصّة ثقيلة وسؤالًا موجعًا عن مآلات الكلمة الحرة في زمن الصمت الموغل في الغياب. إنه يوم الصحافة اليمنية.. النافذة التي نطل منها على تاريخ كُتب بالحبر والأمل، لنرى كيف تحوّلت المهنة في بلادنا من سلطة رابعة تشارك في بناء الوعي الوطني، إلى حقل ألغام يُعاقب صاحبه بالتجويع والنفي والموت.
ففي مثل هذا اليوم، التاسع من يونيو 1990، شهد اليمن ولادة أول جسد نقابي موحد بعد عقود من التشظي، في لحظة تاريخية استثنائية جاءت كامتداد طبيعي لخطوة اتحاد الأدباء والكتاب السبّاقة في عدن عام 1971؛ إذ يؤكد نقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ عبدالباري طاهر، أن ذلك الحدث كان انطلاقة لعهد فاوض فيه الصحفيون السلطة من موقع الشراكة والقوة؛ حيث التأم شمل نحو مئة وخمسين صحفيًا وصحفية في صنعاء بمؤتمر عام هو الأول، صادقوا فيه على ميثاق الشرف المهني الذي قدمته حينها القامة النسوية رضية شمشير.
خاضت الصحافة آنذاك معارك تشريعية شرسة مع البرلمان لحماية الحريات وانتزاع استقلالية المهنة، وضمت توصياتها مطالب ريادية؛ كدعم الصحافة الأهلية والحزبية بإلغاء جمارك الورق، ورعاية أسر شهداء الكلمة، وتأسيس كلية خاصة بالإعلام لخدمة الرأي العام.
وها نحن اليوم.. حين نضع أنفسنا أمام مرآة التاريخ تداهمنا فجيعة الواقع؛ فالصحفي اليمني الذي كان يناضل قبل أكثر من ثلث قرن لتوسيع الهامش الديمقراطي وتجويد البيئة المهنية، بات يصارع اليوم في معركة يائسة من أجل “الحق في الحياة” فقط. لقد انحدر سقف المطالب بفعل سنوات الحرب والدمار من آفاق الحرية الدستورية، ليصبح مجرد استجداء للنجاة من مقصلة التجويع الممنهج بقطع الرواتب، والهروب من أحكام الإعدام الجاهزة، والاعتقال، والإخفاء القسري، والتشريد.. حتى بات يؤسفك أنك صحفي في اليمن!
فكم هو مؤلم أن تحل هذه الذكرى والصحفيون اليمنيون يعيشون في جغرافيا ممزقة، ووطن مفكك ومنكوب بالعبث الرهيب، إلى الحد الذي صار معه الصحفي هنا بحاجة إلى أن يختنق وجعًا بمرور هذه المناسبة لا أن يحتفي بها.
وعليه.. ماذا بوسع الصحفي اليمني إذن أن يقوله في ذكرى نكبته؟ لا شيء.. سوى تحية مجروحة يملؤها الأمل، لكل قلم ما زال يقاوم وطأة التجهيل والترهيب، في بلد يتصدر القوائم العالمية الأكثر خطورة على حياة الصحفيين، وصرخة احتجاج مدوية في وجه واقع مرير يطارد صناع الحقيقة، وتُشنق بمقاصله الأقلام كما الأحلام، حيث صار الحبر مجازفة.. ثمنها الحياة ذاتها.
والسلام.




