











يعد الفنان التشكيلي محمد عبد الوهاب الصلوي ضمن فنانين قلة عملوا على بلورة أفكارهم الفلسفية ضمن نطاق عملهم الفني في جانبه التشكيلي، منطلقين من اللوحة كفضاء لاحتواء العالم مرمزين أفكارهم ورؤاهم الفنية في كائنات مغشاة بالحزن مسربلة بالإبداع..
حاورناه حول قضايا فنية عديدة فكانت هذه الحصيلة:
- حاوره القاص / محمد المقطري
• من أنت؟ وإلى أين تتجه مجمل أحلامك المنعكسة في أعمالك المتعددة؟
•• أنا ابن من عجنت الطين يوماً لتصنع تنورها.. ثم أهدت مما صنعت خبزاً يتناوله الجائعون، واتجاهي نحو اجتياز مسافة رسمت فمرت خطوطها من نفق طويل.. أعطتني أمي بذراً زعفرانياً كي أغرس في طريقي أشجاراً يستريح بجوارها المتعبون.
• ما هي العلاقة التي تربط بين خطوطك وألوانك من جهة وبين أحزانك وبوحك من جهة أخرى؟
حوار صامت يأبى إلا أن يتجاوز جزيئات العقل ليغوص في تشكيلات أفقية تعجز عن البقاء دون التشكل والغوص انطلاقاً من المحسوس إلى اللامحسوس، من الوعي إلى اللاوعي. محاكاة في تشكيلاتها وانطلاقاتها ذلك النهر الذي أرسله البحر ذات يوم ولم يستطع أن يرحل خارج أسوار الحنين إلى أبيه، لكنه قبل أن يعود إلى من أرسله خلف شيئاً لا يعلم منه العقل إلا ظاهره وتبقى قصة باطنه لوحة تجد فيها النفس كلما اشتاقت مأساة الرحيل. وصعب على من ذاق حلاوة النهر أن يتلذذ بطعم ملح أجاج غيره، إن النهر لا ينبع إلا من ذلك المكان. فهل عرفنا النهر قبل أن نعرف البحر؟ إن الأول هو ذلك الخط المتعرج المتشتت الذي لا يعترف بقاعدة ولا نظام.
• ما نوع العلاقة التي تربطك باللوحة، وهل تختصر العالم وتعرفه في لوحة أم تختصره وتعرف نصفه أم ثلثه أم أن اللوحة هي التي تختصرك كاملاً وطوراً إلى النصف؟
تربطني بها علاقة مد وجزر، لقاء وصد وجفاء.. مرة أكون الساحل لتصبح مداً يفيض على وجودي شيء من التدفق.. ومرة أصبح موجاً لتصير ساحلاً رملياً يصعب إرواؤه.. وكلما بسطت نفوذ مدى إليها.. كلما سحبني منها جزر يقذف بي باتجاه الأعماق، وهذه العلاقة علمتني حين أكون ساحلاً أن أفتح مراسي كثيرة لكل القادمين، وحين أكون موجاً أن لا أغتر بالزبد المتشكل وقت الانطلاق ولا أنسى أن الجواهر والدرر تسكن في قعر ما أعتليه.. فما في السطح إلا جسد يحاول أن يحفظ ما فيه ولا يعلم ما تحته إلا عند الغرق.
• تقتنص الفكرة أم تقتنصك هي؟ وأين تنتهي نقاط وإحداثيات خارطة إبداعك؟
الفكرة تقتنصني كشيء يريد تحقيق ذاته فأقتنصها لأمزج فيها اثنين، هي وأنا، ويكون الثالث هو المستمتع، فماذا كان مصير الثالث؟ هل استطاع الولوج.. دع العقل جانباً وارحل معنا، ولا تنسَ أنك إنسان.. عندما تعشق الأرض السماء تعطيها من ذاتها شيئاً لكن كي تسكن فيها، وعندما تعشق السماء الأرض ترسل إليها شيئاً منها لكن هو الأفضل على كل حال.. وشيء مما فوقها.. ((وذلك بالمثل لا بالكيف))، عندها يتشكل كائن ما يجد نفسه قادراً وغير قادر مجبراً.. على الفراق ومغتراً بالبقاء ولحظة الانسلاخ فتختلط العديد من الجزئيات لتنفتح بعدها على شيء واحد….
• انشغلت بترميز العالم خارج دائرة النمطية الواقع تحت تأثيرها كثير من الفنانين، فما الإنسان عندك؟ وما الروح؟ وما اللوحة؟
الله سبحانه وتعالى هو من يرمز هذا الوجود ونحن كائنات ما زلت تحاول جاهدة فك تلك الرموز، ومعرفة خفاياها، والواصلون إلى معرفة الرمز أو استشفافه قد أوتوا حكمة من الله.
وأنا كفنان أحاول أن أستعير من عالم الرموز الواسع بعض الصياغات التي تتطلبها فكرة العمل لأنقلها إلى الآخرين عن طريق الإحساس والاستشفاف. وأما عن الإنسان والروح، فلو تقصّينا النهر وتتبعناه لقادنا إلى منبعه، ولكي نفهم البحر لا بد أن نعيش النهر.
أما اللوحة فهي ذلك الأثر الذي خلفناه ونحن نركض ونحيا حول نهر طويل، والمبدع منا هو من تعلم من النهر كيف يتجه دائماً إلى الأمام.
وأنا لست ممن يتوهون مع المفردات والحروف بين زوايا السطور، بل أنا ممن يرحلون عبر الجمل والصفحات ليحلقوا معها في كل الآفاق.
• بماذا تبوح لوحاتك؟ وما هي لغة الوجوه العديدة المترعة بالشجن التي تظهر فيها والتي حاول قارؤك معرفتك من خلالها ولم يستطع؟
من يسأل الطفل لا يعرفه مثل من يحس به، ومن يبحث عن معنى بصيغة العقل لن يفهم شيئاً ولن يجد رداً منهن على سؤال.. والخطاب موجه في اللوحة إلى كل ذي حس وشعور وعلى من يحاور وجوه لوحاتي أن ينسى أولاً أنه غريب.. ليحاول أن يمارس حواره بصدق وأن يكون الشخص الثالث الذي عرف كيف يحس أن فيه اثنين، دون ذلك يصبح إنساناً غريباً.. ولكي يُفهم الطبيب فلا بد من محاورة المريض ولولا المريض لما عُرف الطبيب.
• هل تخصص مساحة ما للفكر في لوحاتك؟ وهل تعتقد بأن هناك أعمالاً فنية فكرية تقوم على قواعد فلسفية أم أن الفن ذاته يعد عملاً فكرياً؟
أنا لا أخصص في لوحاتي مساحة للفكر، بمعنى ((أوجد)) لكني أضع مكاناً لمن ينشد الفكر ((بمفهومه)) التأمل لا القياس والمنطق.. واللوحة أولاً ثم الفكر. ومن خلال اللوحة يستطيع من ينشد الفكر أن يحلق معها في كل اتجاهاتها، والفن ليس عملاً فكرياً، بل هو عالم من الرموز والصور وهو فيض يأتي من الداخل للخارج ليفتح أمام المستمتع الكثير من نوافذ الرؤية والولوج بما يحمل إليه من إلهام، وهذا هو الفكر البصري والوجداني الخلاق.. أما الفكر العقلي الاستدلالي المنطقي فيأتي من الخارج للداخل ليبدد ظلام المعرفة ويجيب عن سؤال ما، وهو ذلك الذي يقوم على مبدأ التجربة والمشاهدة والاستنتاج، وفرق كبير بين من يؤتى العلم وبين من يطلبه.. والعمل الفني بشكل عام هو نافذة تطل من خلالها الروح وليس العقل.
• ما هو الشيء الغامض الذي يبدو دوماً في لوحاتك؟
الغامض هو أن بعض اللوحات لا أستطيع إكمالها بل أشعر أني أكملتها كمستمتع يقف أمامها، ولو حاولت أن أضيف إليها ما أصل إليه حينها أشعر أنها فقدت قيمتها وانتهت. وغموض بعض اللوحات هو ما إن تنتهي حتى تتمخض بفكرة لوحة أخرى.
• قبل أن تبدأ بتخطيط لوحتك أين تغمس ريشة ألوانك؛ في دواة العاطفة أم في إناء العقل وطين الجسد الرخو؟
الفنان لا يقيس المساحة بالأمتار كالمهندس بل بشيء آخر وهو الإحساس، واللوحة الفنية ليست مخططاً هندسياً بل فيض يأتي إلى الفنان عبر الإلهام ليجبره على بداية العمل.. وهو هنا مثل الأم، فالأم لا تخطط الطفل بل تحمله لتوصله إلى مكان ما، وطوال تلك الرحلة تزوده بأشياء من ذاتها ليتمكن من الاتصال بها في طريقة عمله بعد ذلك أي بعد أن تفارقه ليبدأ هو بدوره، واللوحة الفنية بمثابة الطفل والفنان بمثابة الأم.
• هل انتهيت من ترميز العالم واعتبار الإنسان سطراً بين قوسي العقل والروح مجرداً من المادة أم أن العالم هو الذي أحالك إلى لوحة مرمزة بعد صراع بينكما تسابقتما فيه على اصطياد بعضكما وتقييده في رمز ما؟
وضع الرمز أحياناً يكون الهدف منه فك رمز آخر أكبر منه، والعالم يضع العلوم ويلخصها من خلال رموز تحاكي العقل والمنطق، أما الفنان فيصيغ رموزه كلغة تخاطب الوجدان ويكون حينها من الصعب النظر إلى تلك الرموز من زاوية واحدة فلا بد من نفس وعقل، فما يستطيع أن يعرفه أو يقطعه الإنسان في نومه يكون عاجزاً عن فعله وإدراكه في صحوه، ووراء كل ذلك حكمة إلهية. نحن كفنانين نحاول قدر ما نمتلك أن نلفت الإنسان إلى جزء مما يحدث وقد نفعل أشياء، ونضع رموزاً نصبح في ما بعد عاجزين عن إدراكها ومعرفتها في ما بعد، ولكن تلك الرموز والصور لم تأتِ من فراغ بل هي أجزاء من رسالة لم تكتمل بعد نحن فقط ننقلها سيأتي من يقرأها ويفك طلاسمها، وكل منا هنا إنما يكون رسولاً جاء ليوصل شيئاً ما وحين ينتهي يرحل ليبدأ غيره، والرمز الكامن وراء كل هذا الكم من الفنانين هو أنهم يرسمون لوحة واحدة.
• أنت فنان ناشئ أم كبير؟ وما الصعوبات التي تواجه الفنان اليمني تحديداً؟!
أنا لا أؤمن بوجود فنان كبير وفنان صغير.. غير أني أؤمن بوجود رسام كبير ورسام صغير.. وأنا كفنان أحقق وجودي بقدر الأثر الذي أحققه على أرض الواقع بإنتاجي الفني، أما كرسام فأنا ما زلت في بداية المشوار وما زال أمامي الكثير كي أتعلمه وأتقنه.. فالفنان التشكيلي يولد فناناً لكنه لا يستطيع أن يجيد أدواته ومهاراته في توصيل فنه للآخرين إلا بعد أن يصير رساماً متمكناً من الخطوط والأشكال والألوان وصياغتها ومعرفة أسرارها، وكونه ولد ليكون فناناً فهو مزود بالهمة والطموح ما يجعله قادراً على تعلم أبجديات مهنته الإبداعية، ومهما امتلك الفنان من تقنيات وخبرات إلا أنه يظل ذلك المحدود الضعيف الذي قد تستعبده الفكرة وتسومه سوء العذاب ولا يمكن لأي فنان أن يدعي الكمال أو يصل إليه. وأنا كفنان ما زلت في بداية المشوار.
• أين تقف من هذا الخضم الهائج المائج المسمى مجازاً إبداع؟ وهل تقول كل ما تريد قوله من خلال اللوحة؟ وماذا إذا عاندتك الفكرة ولم تسترخِ على السرير الأبيض وطارت في الفضاء؟!
أقف موقف المتأمل الباحث المنتظر بين مدٍّ هو إرادة الخروج والسعي لتجاوز نفق مليء بالمقعدين.. ومدٍّ يجرفني بشدة مسافات نحو الأعماق.. مد وجزر، وكلما فاتتني موجة حاولت اللحاق بالأخرى حتى أتمكن من صنع شيء، وحين أتمكن منه يصير للآخرين لأبدأ بركوب موجة أخرى نحو مد جديد وعمل جديد، وحين تعاندني فكرة أتركها لأبدأ فكرة أخرى لدرجة أني في بعض الأحيان أجدني أسيراً لأكثر من فكرة ولأكثر من عمل، وأحياناً أنتج لوحتين أو أكثر في وقت واحد.
• برأيك ما الصعوبات التي تواجه الفنان اليمني تحديداً؟
الصعوبات تواجه كل الفنانين والفنان مؤهل لمقاومتها وتجاوزها.. غير أن أسوأ العقبات وأشدها ضرراً على الإبداع هي تلك التي تمس الجانب الإنساني للفنان والتي تفقده الأمان والاستقرار حين يصير همه الأكبر كيف يصارع همومه اليومية والمعيشية، وهذا ما يعاني منه الفنان اليمني بشكل خاص.. والعربي بشكل عام، أضف إلى ذلك عدم وجود وعي اجتماعي راقٍ ومتطور بالفن وقيمة الفنان ودوره وغيرها من العقبات التي تبرز على مستوى قومي وإقليمي.
• كيف تستطيع صهر ثقافتك المتشعبة في الفلك والروحانيات والتشكيل وإخراج كل ذلك المزيج المتخالط في لوحة معبرة؟
لدي بعض من الاطلاع الفكري والاهتمام الفلكي والفلسفي والبحث في قضايا الرمز والحرف والتراث الفلكلوري الفني وبكل ما يثري العملية الإبداعية ويكسبها عمقاً وأصالة.. وإني لأرى أن الفنان التشكيلي ملزم بتوسيع معارفه وأبحاثه في كل مجالات الثقافة كونه يحمل رسالة يخاطب بها إنساناً متعدد الثقافات ومتنوع المذاهب والاتجاهات.. والعائق الوحيد أمام الإبداع وأصالته وتدفقه هو التقوقع والانزواء وعدم متابعة الجديد من فكر وثقافة وعلوم.
• لماذا اخترت الفن التشكيلي شكلاً للتعبير عما سواه من أشكال الإبداع المختلفة؟ وما الذي أضفته إلى أسلوب المدرسة الرمزية الشهيرة؟
أنا لم أختر أن أكون فناناً ولم يخيروني يوماً، غير أني وجدت نفسي سائراً في ما أنا فيه، ولو كان الخيار مطروحاً أمام الناس لكان هناك الكثير من الفنانين والشعراء، وأنا مؤمن بأن الإبداع موهبة من الله وأحمد الله على ما أنا فيه.. أما ما الذي أضفته للمدرسة الرمزية فأنا لا أعرف شيئاً لأني أرسم فقط دون أن أضع في ذهني أن أكون رمزياً أو سريالياً أو تعبيرياً؛ لأن الفنان الذي يرضي مدرسة ما أو طريقة معينة يمتلك التقنية ويفقد الإبداع، وشرط الإبداع هو مزيد من التنوع والتجدد.. مع الإخلاص لرسالة الفن، وهدف الفنان الأسمى أن يضيف شيئاً ما للإنسانية بما يتراكم من إبداعاته التي يخلفها ويتركها، وأنا حتى الآن لم أنتج إلا ما يمكنني من الوصول إلى بداية المشوار وأتمنى من الله التوفيق والنجاح.
• ما الذي لم أسألك إياه؟
أسئلة كثيرة يصعب تحديدها غير أني أقدر لك كل الجهود التي بذلتها في طرح أسئلتك الإبداعية والمعبرة عن حس أديب وقاص مبدع.. أشكر إبداعك وتفاعلك ومزيداً من التميز.. وفقك الله.




