
غيب الموت، يوم أمس، الفنان المصري الكبير هاني شاكر عن عمر يناهز 74 عاماً، في إحدى المستشفيات الفرنسية، ليسدل الستار على مسيرة (أمير الغناء العربي) التي صاغت وجدان أجيال متعاقبة منذ منتصف الستينيات، وذلك بعد أزمة صحية حرجة بدأت بجراحة طارئة لاستئصال القولون إثر نزيف حاد، وانتهت بانتكاسة تنفسية مباغتة وضعته تحت العناية المركزية حتى الرمق الأخير؛ لتطوى معه صفحة مضيئة من تاريخ الأغنية العربية.
يُعد شاكر أحد آخر حراس “الزمن الجميل”، إذ استهل مشواره ببراعة طفل جسد دور “سيد درويش” سينمائياً عام 1966، قبل أن تتبناه موهبة الموسيقار محمد الموجي في السبعينيات عبر أغنية “حلوة يا دنيا”. وبفضل صوته الدافئ وتكوينه الأكاديمي الرصين، استطاع أن يرسخ مدرسة الرومانسية الراقية صامداً بوقار أمام صخب التحولات الفنية التي اجتاحت الساحة الموسيقية طوال عقود.
وعلى مدار ما يزيد عن نصف قرن أثرى هاني شاكر المكتبة الموسيقية بـ 29 ألبوماً ومئات الأعمال التي صارت أيقونات للحزن والحب، مثل “علي الضحكاية” و”جرحي أنا”. وتواصلت أعماله أيضاً على الشاشة الفضية إضافة إلى العمل النقابي؛ حيث تولى منصب نقيب المهن الموسيقية (2015-2021)، وعمل على تنظيم المشهد الغنائي في ظل سجالات واسعة حول الأنماط الموسيقية الحديثة، خاض فيها معارك شرسة لحماية “هوية الفن”.
وكان الفنان الراحل قد عاش حياة محملة بتحديات كبرى، أقساها فقدان ابنته “دينا” عام 2011، الجرح الذي ظل غائراً في صوته وأعماله اللاحقة. ورغم ذلك الألم، استمر في عطائه الفني محافظاً على وقاره المعهود، وظل وفياً لجمهوره الذي رآه دائماً نموذجاً للفنان الملتزم الذي لم تلوث بريق موهبته موجات التغيير السطحية.
برحيله اليوم يفقد العالم العربي مرجعاً فنياً وأحد أعمدة الأغنية الحديثة التي وازنت ببراعة بين الأصالة والتجديد، مخلفة مئات الأغاني وأصداء المواويل التي شكلت ذاكرة عاطفية جماعية للملايين من عشاقه، الذين يشيعونه اليوم بكلمات أغانيه التي علمتهم كيف يكون الوفاء للحب والجمال.




