
يشكل كأس العالم لبلدان الشرق الأوسط وجماهيرها العريضة طقسًا جماعيًا مقدسًا يعيد صياغة وتيرة الحياة اليومية بروح رياضية جميلة وشغوفة، إذ ارتبطت ذاكرة المنطقة في تاريخ المونديالات بتواقيت مواجهات تراوحت بين بطولات أوروبا وإفريقيا بأيامها المبهجة التي جمعت العائلات والأصدقاء في المنازل والاستراحات، وبين دورات أمريكا اللاتينية وآسيا وسهراتها الليلية المرهقة.
واليوم، يفرض المونديال الأكبر 2026، والذي تستضيفه للمرة الأولى ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك في أمريكا الشمالية.. تحديًا استثنائيًا، لأن فارق التوقيت الشاسع يرمي بمعظم المواجهات إلى ما بعد منتصف الليل والفجر، واضعًا المشجع العربي في مواجهة مباشرة مع التزاماته اليومية وساعات نومه الإجبارية، في مفارقة زمنية تدعونا لإعادة قراءة التاريخ المونديالي.. واستكشاف كيف طوعت الساحرة المستديرة الجغرافيا لتصوغ وجدان جماهير تضبط ساعاتها البيولوجية على توقيت شغفها وحده، لا سيما والبطولة التي انطلقت يوم أمس في تمام الساعة العاشرة مساء بتوقيت مكة المكرمة كاستثناء مريح ومؤقت برفقة النهائي، تظل مبارياتها الـ 104 المتبقية اختبارًا حقيقيًا لعشق وصبر المشجع العربي.
ثلاث محطات ذهبية في ذاكرة الشرق
إن حجم التحدي الذي نعيشه الليلة مع غروب شمس أمريكا الشمالية، يستدعي تلقائيا ذاكرة محطات تاريخية جادت فيها كرة القدم على مشجعي الشرق بعقارب ساعات مبتسمة، حين تحالفت الجغرافيا مع تطلعات الشارع العربي في مشاهدة ممتعة تتوائم مع مواعيده اليومية، وهي المفارقة التي تجسدت أولًا في صيف فرنسا البديع 1998.. حين تراقصت عقارب الوقت على مقاس المقاهي العربية من المحيط إلى الخليج بمباريات دافئة كانت تنطلق عصرًا وتمتد حتى تفاصيل المساء، ولعل كل من سحرته أقدام زيدان أو أبكاه خروج المغرب الدراماتيكي.. يتذكر كيف ضجت شاشات التلفاز بجلسات السمر الصيفي، دون أدنى حاجة لضبط منبهات الفجر أو التضحية بساعات العمل والدوام.
ومن صيف الملاعب الفرنسية إلى ملاعب ألمانيا 2006 بتناغم زمني فريد تكرر بصورة مثالية.. نظرًا لأن الفارق بين توقيت وسط أوروبا وتوقيت مكة المكرمة لم يكن يتعدى ساعة أو ساعتين، وهي المسافة الجغرافية التي جعلت المشجع العربي يعيش البطولة كحدث محلي بامتياز.. تنطلق مواجهاته الأولى ظهرا وتبدأ سهراته المشوقة في الثامنة أو التسعة مساء، لينساب ذلك المونديال بأناقة داخل تفاصيل اليوميات العربية، وصولًا إلى الذروة التاريخية للتوقيت الأفضل التي تجسدت في شتاء قطر 2022 حين ابتسمت عقارب الساعات لجماهير الشرق وحولت المنطقة كلها إلى قلب الحدث الأبرز وعقرب الساعة الرئيسي للعالم، حيث بثت المباريات في وضح النهار وساعات المساء الأولى.. فعشنا فيه ومعه إعجاز المغرب وسقوط الكبار وتتويج ميسي باللقب في أوقات مريحة، جعلت أصداء المونديال تتردد في كل بيت ككرنفال يومي عابر للتفاصيل المعتادة.
ومع ذلك، فبين تلك النسخ التاريخية التي دللت المشجع العربي بتواقيت مريحة، وهذا المونديال الحالي الذي يفرض السهر ومقاومة النوم، يظل كأس العالم قادرًا على إملاء شروطه الخاصة، فمهما نأت جغرافيا الوقت سيبقى الشغف الكروي في الشرق الأوسط كفيلًا بتحويل ساعات الليل إلى مدرج صاخب يستقبل الفجر بصدى صافرة كل مواجهة.




