- د. قاسم المحبشي
أتاحت لي ندوة البارحة التي نظمتها وحدة هندسة المفاهيم الجديدة في المعهد العالمي للتجديد العربي، بعنوان “الفلسفة والأثر”، والتي قدمها الدكتور خالد كموني، وعقبت عليها الدكتورة نزهة بوعزة، وأدارها الدكتور بن شرقي بن مزيان بكفاءة واقتدار، فرصة ثمينة للتأمل في واحدة من أكثر الإشكاليات الفلسفية التباسًا؛ وهي الفرق بين التفكير الحسي والتفكير المفهومي.
وقد ازداد اقتناعي، من خلال النقاش، بأننا ما زلنا بحاجة إلى مراجعة دقيقة لمعنى المفهوم المجرد بوصفه مفهومًا فلسفيًا، بعد أن عبّر بعض الزملاء الأعزاء عن قناعة مؤداها أنه لا وجود لمفاهيم مجردة. وفي تقديري أن هذا الرأي ناتج عن خلط بين المفهوم وبين مصداقاته الحسية. فالتجريد لا يعني أن المفهوم منفصل عن الواقع أو معلق في الفراغ، وإنما يعني أنه يعبر عن الخصائص الجوهرية المشتركة والمتكررة بين عدد لا نهائي من الأشياء والظواهر. ولهذا فكل مفهوم هو مجرد بالضرورة، ولا توجد مفاهيم مشخصة، لأن التشخص من صفات الأشياء، أما المفهوم فهو صورة عقلية كلية تنتزع من الواقع ولا تطابق أي فرد بعينه.
ومن هنا يبدأ الفرق بين نمطين من التفكير. فالتفكير الحسي يقف عند حدود الإدراك المباشر، ويرى العالم بوصفه مجموعة من الأشياء المنفصلة والوقائع الجزئية، بينما يرتقي التفكير المفهومي من المحسوس إلى المجرد، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهرة إلى بنيتها الداخلية. إن العين ترى شجرة، لكن العقل ينتج مفهوم “الشجرة”، ويرى إنسانًا بعينه، لكنه يصوغ مفهوم “الإنسان”، ويشهد وقائع متفرقة، ثم يبتكر مفهوم “العدالة” أو “الحرية” أو “الدولة”. وهذه المفاهيم لا تُرى ولا تُلمس، لكنها وحدها تجعل المعرفة العلمية والفلسفية ممكنة.
ولهذا لم تكن الفلسفة يومًا وصفًا للعالم كما يبدو للحواس، بل كانت محاولة لإنتاج المفاهيم التي تكشف بنيته العميقة. ولهذا أيضًا عرّف جيل دولوز وفليكس غاتاري الفلسفة بأنها فن خلق المفاهيم، لا مجرد التأمل في الموجودات ولا التعليق على النصوص. فالمفهوم ليس اسمًا للأشياء، بل أداة لإعادة تنظيم العالم وفهمه.
ولا تنشأ هذه المفاهيم في عزلة العقل عن الواقع، بل تولد من الحوار الحي بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والإنسان. فالفلسفة ليست تراكمًا للمعلومات، وإنما ممارسة نقدية تجعل كل شيء موضع سؤال. ولهذا كان تاريخ الفلسفة تاريخًا للحوار، لأن المفهوم لا يولد داخل عقل مغلق، بل في فضاء مفتوح تتلاقى فيه التجارب وتتقاطع فيه الرؤى.
ومن هنا تكتسب الصداقة معناها الفلسفي العميق. فهي ليست مجرد علاقة وجدانية، وإنما شرط معرفي لإنتاج المفهوم. وقد أدرك أرسطو أن المدينة لا تقوم بالعدل وحده، بل بروابط الصداقة التي تجعل الحوار ممكنًا. غير أن جيل دولوز ذهب أبعد من ذلك، حين رأى أن الصديق ليس من يوافقنا الرأي، بل من يوقظ فينا قدرة جديدة على التفكير، ومن يجعلنا نرى ما لم نكن نراه، ونفكر فيما لم نكن نفكر فيه. فالصداقة، بهذا المعنى، ليست اتفاقًا، وإنما لقاء خلاق بين اختلافين.
ولهذا كانت العلاقة الأفقية القائمة على الندية والاعتراف المتبادل شرطًا ضروريًا لولادة التفكير المفهومي. فالمفهوم لا يُفرض من أعلى، بل يتولد من النقاش، ومن احتكاك العقول، ومن اختبار الحجج بالحجج. أما العلاقة العمودية التي تستمد مشروعيتها من سلطة متعالية، فإنها تبدأ من امتلاك الحقيقة قبل البحث عنها، وتجعل وظيفة العقل تبرير ما هو معطى، لا إنتاج معرفة جديدة.
وهنا يكمن الفارق بين الفلسفة واللاهوت بوصفهما نمطين في إنتاج المعرفة. فالفلسفة المحايثة تنطلق من الإنسان والعالم والتجربة، وتجعل الحقيقة ثمرة للحوار والبرهان والنقد المستمر، بينما ينطلق التفكير اللاهوتي من حقيقة متعالية مكتملة، ويجعل مهمة العقل تفسيرها والدفاع عنها. وليس المقصود هنا التقليل من شأن الدين، وإنما التمييز بين منطقين معرفيين مختلفين: منطق يؤسس الحقيقة بالحوار، ومنطق يستمدها من سلطة سابقة على الحوار.
ولذلك ازدهرت الفلسفة اليونانية في فضاء المدينة الحرة، وازدهرت الفلسفة العربية الإسلامية عندما انفتحت على الثقافات الأخرى عبر الترجمة والمناظرة. فلم يكن الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد مجرد نقلة للتراث اليوناني، بل كانوا منتجين للمفاهيم داخل سياق حضاري جديد، جمع بين الوحي والعقل، وبين الترجمة والإبداع، وبين التراث والواقع.
إن كل لحظة ازدهار فلسفي في التاريخ ارتبطت باتساع دائرة الحوار، لا باتساع دائرة الطاعة. فالمعرفة لا تنمو بالإجماع، وإنما بالاختلاف الخلاق، ولا تتقدم باليقين المغلق، وإنما بالأسئلة المفتوحة. ولهذا فإن مستقبل الفكر العربي لن يتحدد بعدد الجامعات ولا بوفرة المؤلفات، بقدر ما يتحدد بقدرتنا على الانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة إنتاج المفاهيم، ومن التفكير الحسي الذي يكتفي بوصف الوقائع، إلى التفكير المفهومي الذي يكشف العلاقات والقوانين والبنى العميقة.
إن أخطر ما يواجه العقل العربي اليوم ليس نقص المعلومات، وإنما غياب التربية المفهومية. فما زلنا نخلط بين الشيء ومفهومه، وبين المثال ومصداقه، وبين اللفظ والفكرة، وبين التجربة الحسية والبناء العقلي. ولهذا تتراكم لدينا الوقائع دون أن تتحول إلى معرفة، وتتكدس النصوص دون أن تنتج مفاهيم جديدة.
إن الانتقال من التفكير الحسي إلى التفكير المفهومي هو، في جوهره، انتقال من رؤية العالم كما يظهر إلى فهمه كما يعمل؛ ومن وصف الظواهر إلى تفسيرها؛ ومن حفظ الأجوبة إلى إنتاج الأسئلة. وهناك، تحديدًا، تبدأ الفلسفة، ويبدأ العقل، ويبدأ الإنسان في ممارسة حريته بوصفها قدرة على خلق المعنى، لا مجرد تكرار ما قاله السابقون.




