- المحرر الاقتصادي
يستغرب البعض التفاعل الواسع الذي حظي به القرار الذي شرعت حكومة عدن، ممثلة في وزارة الصناعة والتجارة، في تنفيذه مطلع مايو الجاري، والقاضي بفرض رسوم تعويضية بنسبة 20% على واردات الدقيق ومياه الشرب. بينما يذهب البعض الآخر إلى أن الواقع لن يتعدى فرض رسوم جديدة سيتكبدها المواطن اليمني، إثر ارتفاع سعر كيس الدقيق المستورد، في ظل التخوف من غياب البديل المحلي الكافي.
والحاصل أن القرار لم يأتِ بمعزل عن توجهات اقتصادية وتنموية برزت خلال الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتها “المعرض الأول للمنتجات والصناعة الوطنية” الذي أقيم مطلع أبريل الماضي؛ بوصفه مؤشرًا على توجه رسمي يسعى لإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لبناء اقتصاد أكثر قدرة على تلبية احتياجات السوق اليمنية.
ومن هذا المنطلق، ورغم أن نسبة الـ 20% تعد الحد الأدنى عالميًا للحماية الجمركية، إلا أن القرار يتجاوز الإطار المالي ليمثل أداة سيادية تحمي الصناعة الوطنية من الإغراق والمنافسة غير المتكافئة، وينقذ أصولًا بُنيت عبر عقود، وعمالة محلية مهددة بالتسريح.
وتنبع القيمة الفعلية للقرار من فصله الحاسم بين استيراد (المادة الخام) التي تنشط قطاعات الطاقة واللوجستيات وتضمن استقرار تسع مطاحن كبرى تمثل ركيزة المخزون الغذائي الاستراتيجي، وبين استيراد (المنتج الجاهز) الذي يستنزف معروض النقد الأجنبي الشحيح، ويُرحّل فرص العمل إلى الخارج.
وهنا تتجلى الأبعاد غير المنظورة للقرار، مشكلة حائط صدٍّ يؤمّن المخزون الاستراتيجي من القمح في صوامع تسع مطاحن وطنية كبرى؛ لأن صمود هذه المنشآت هو الضامن الوحيد لاستمرار استيراد وتخزين الحبوب. وفي حال توقفها بفعل الإغراق سيصبح الاعتماد كليًا على الدقيق الجاهز، وهو ما يضع البلاد وسط العاصفة عند حدوث أي أزمة نقل بحري أو توتر جيوسياسي عالمي.. حيث أثبت الواقع أن مستوردي السلع الجاهزة هم أول من ينسحب من السوق عند الأزمات لغياب الأصول الرأسمالية التي يخشون خسارتها؛ الأمر الذي يجعل هذا الإجراء الجمركي خطوة ملحة —ولو مؤقتة— لتأمين لقمة عيش اليمني وسط أمواج التحولات الدولية المضطربة.
بالمقابل، يظل هذا التحول الاقتصادي مرهونًا بالتزام الدولة بتشريعات تضمن التوسع الرأسمالي وحماية الاستثمار، بالتوازي مع توجيه المستثمرين أموالهم نحو مشاريع إنتاجية مستدامة بدلاً من الارتهان للاستيراد السريع.
وخلاصة القول:
إن طريق اليمن نحو السيادة الغذائية يبدأ بالضرورة من تحويل دعم المنتج المحلي من مجرد شعار، إلى ثقافة راسخة وسياسة اقتصادية تصنع سوقًا منظمًا وإنتاجًا متماسكًا عابرًا للأزمات.




