في شهادة استثنائية تختزل ذاكرة نصف قرن من التحولات السياسية والثقافية في اليمن والعالم العربي، يقدم الكاتب والمؤرخ اليمني البارز ونقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ عبدالباري طاهر، قراءة عميقة للمخاضات التي شكلت الوعي اليمني. من أروقة الجامع الكبير بالمراوعة وصولاً إلى زنازين الاعتقال وساحات العمل النقابي، ويرسم ملامح وطنٍ يبحث عن “مواطنته” بين ركام الحروب وأوهام الأيديولوجيا، مؤكداً بمرارة أن “الحرب نفي للأمن والسلام.. وهي إعدام للهوية”.
مخاض الوعي
يستحضر طاهر في مقابلة خاصة مع صحيفة “النداء“، بدايات تشكل وعيه في أواسط الخمسينيات، حيث كان اليمن يستيقظ ببطء من سبات مئات السنين. ويروي كيف كانت المجلات اللبنانية والمصرية (الآداب، الرسالة، الطليعة) هي النوافذ التي أطل منها جيله على العالم، لافتاً إلى أنه رغم انغماسه في دراسة أمهات الكتب الفقهية والنحوية، إلا أن شغفه بالرواية الروسية وكتابات طه حسين صاغت أفق تفكيره النقدي بعيداً عن الرؤى الضيقة، إذ يرى أن “الهويات المغلفة والأصوليات الثابتة ميتة ومميتة”.
من “الرعية” إلى “الوجود”
وعن سبتمبر يؤكد طاهر أن القيمة الكبرى للثورة لم تكن سياسية فحسب، وإنما كانت “وجودية”:
“ثورة سبتمبر منحتنا المواطنة.. قبلها كنا رعية، ومولدين، وأجانب، ومهمشين. كانت المواطنة تعني فقط طاعة ولي الأمر ولو قرش جلدك وسلب مالك.”
ويستذكر كيف شكل مع شباب تهامة مجموعات لمساندة الجمهورية، متصديين للقوى التقليدية، مما عرضه للاعتقال المتكرر الذي لم يكن ينهيه سوى تدخل الرئيس السلال شخصياً.
من هزيمة 67 إلى “نكبة” 94
يصف طاهر هزيمة يونيو 1967 بأنها “أبشع هزيمة في التاريخ العربي”، ويرى أنها كانت نتيجة حتمية للاستبداد واختزال إرادة الشعب في الحاكم. كما يتحدث بشجن عن الوحدة اليمنية عام 1990، معتبراً إياها “خلاصاً سلمياً”، لكنه يصف حرب 1994 بالمنعطف الكارثي الذي أعاد اليمن إلى ما قبل عصر الدولة.
وفي هذا السياق، يكشف طاهر لأول مرة عن تفاصيل اعتقاله وتعذيبه الوحشي عقب الوحدة كأداة لترهيب المثقفين، مؤكداً أن حروب ما بعد 1994 وصولاً للآن هي بمثابة إماتة للوطنية، حيث تحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
جيل اليوم: “مهدينا المنتظر”
وفي مقارنته بين جيل الستينيات وجيل اليوم “ضحايا الحروب المتناسل”، يشير طاهر إلى أن الجيل الحالي رغم عيشه في وطن ممزق، يمثل “مهدينا المنتظر”؛ لأنهم يمتلكون روح “غاندي ومانديلا”، ويؤمن بأن “جيل اليوم هو البديل الأرقى للانقلابات العسكرية وللثورات الخائبة” لقدرتهم على التمسك بالتعددية والاستقلالية.
عناد اليمني هو الضمانة
ويختتم الأستاذ عبدالباري طاهر شهادته بالاعتراف بأن المثقف اليمني غالباً ما انساق وراء التحولات السياسية بسبب هشاشة المجتمع المدني، لكنه يفتخر بتأسيس المؤسسات النقابية كحصون للوعي، مؤكداً أن استعادة الهوية المصادرة لا تمر إلا عبر “إسقاط حاجز الخوف والصدع بالكلمة في وجه السلطان الجائر”، مؤمناً بأن “عناد الإنسان اليمني وصبره” هما الضمانة الوحيدة لسطوع فجر جديد.




