
- كتب: منصور السروري
قبل الولوج إلى استقراء قصيدة “دوامة الرعب” للشاعر عمار الأصبحي، والوقوف على ثيماتها، ووضعها تحت مجهر القراءة النقدية، من الأحرى هنا التعريض بالمبدع الأصبحي.
تقريباً قبل عشرين سنة تعرفت عليه بمقر صحيفة الثوري التي كان يتردد عليها من وقت إلى آخر لإيصال نصوصه وكتاباته.
وتطورت العلاقة بيننا أكثر من خلال اللقاءات التي كانت تجمعنا من وقت إلى آخر بعديد من المجالس واللقاءات الأدبية والمناقشات المفتوحة على مختلف العناوين المتصلة بالبلاد وأحوالها.
وجدته شاباً خجولاً، لا تفارق الابتسامة محياه، ودوداً دونما تكلف أو مواربة لاستغلال ذلك في الوصول لمبتغاه ومعانقة أحلامه.
واثق من قدراته الذاتية كثيراً، كجمعه بين الذكاءين: الذكاء العقلاني والذكاء العاطفي على حد سواء، حيث يلاحظ كل من يقترب منه كثيراً ذكاءه العقلاني الحاد، ويتأكد من تمتن علاقته به بامتلائه بالذكاء العاطفي المتمظهر بأخلاقه العالية واستعداده للذهاب بعيداً في تكريس كل القيم والمبادئ الإنسانية.
ويتجلى ذكاؤه الحاد بتعدد اشتغالاته الإبداعية في أكثر من توجه؛ فهو علاوة على معاقرته للشعر، أيضاً يعاقر الرسم ويراقص الريشة ويتلاعب بالألوان، ولديه كثير من اللوحات الفنية التي عرفني عليها عندما كان يعمل بصيدلية استضافني فيها قبل أكثر من عقد.
وإلى جانب ذلك، هو صحفي موهوب احترف الصحافة من بوابة الهواية أولاً، ثم الممارسة والكتابة للصحافة حتى صار صاحب قلم مميز، ويدير موقعاً صحفياً إلكترونياً مفتوحاً على كافة مجالات الإبداع الفكري.
وعلاوة على ما سبق، أعتقد غير جازم أنه درس وتخرج في كلية التجارة.
كل ذلك وغيره كثير يجعل الصديق عمار الأصبحي من النماذج التي ينطبق عليها مصطلح “المثقف الطليعي” الذي لا ينفصل وعيه عن واقعه اليومي.
وأيضاً ينطبق عليه مصطلح “المثقف العضوي” الذي لا ينفصل شعره عن واقعه الصحفي اليومي، حيث الكلمة لديه تسير ناحية غايتين: توثيق الحدث (كصحفي)، وتخليد الشعور (كشاعر).
لا شك أن عوامل وظروفاً حالت دون أن نرى تجربته الشعرية من وقت مبكر خلال سنوات العقدين، إلا أنه كسر حواجز التهيب وأخرج لنا مجموعته الشعرية الأولى الموسومة بـ “ضحكة في الريح”، التي تضمنت أهم نصوصه الشعرية وليس كلها، وهي تختزل تجربته الإبداعية بين (2005 / 2025).
وقبل شروعي باستقراء نقدي لكافة قصائد ديوانه “ضحكة في الريح”، سأكتفي بالوقوف أمام القصيدة التي تصدرت ديوانه: “دوّامة الرعب”.
لكن بداية تعالوا نقرأ معاً نص القصيدة.
***
في العتمة، حين تنام الأشياء ويصحو القلق،
تتسلل الكلماتُ ككائناتٍ مذعورةٍ
تبحث عن مأوى على حواف الورق.
كل ما كُبتَ يعود،
وكل ما خفيَ، يفيض كألمٍ أول.
الذات تتفتت،
والصوت يرتجف بين سؤالٍ لا يُجاب
وصدىً لا يجد جداراً ليعود منه.
هنا…
في قلب الدوّامة، حيث الرعب ليس خوفاً، بل إقامة طويلة في نفقٍ لا ينتهي.
كما يفعل دائماً حين يبزغ كتاب،
ينتظر في قلب الليل -بالطبع- كأنها زادٌ مقدس، وهبة لا تُمنح له إلا ليلاً.
كان يدوّن، بخشوعٍ بالغ،
ما يُمليه عليه «القادم»،
متفادياً أي مخاطرة قد تُفقده إياه.
خَيَّم ليلٌ كأنه يروي وقائع؛
يبحث عن تلك التي رحلت،
ولم يُضنِها الحنين…
يبحث عنها،
يجري نحوها -ولم تكن بعيدة-
يفتش عن باب،
عن مدخلٍ يوصل إليها…
كل شيء يهرب منه.
يحاول ملامسة ترابها تحت قدميه،
لكنه يظل عصيَّ المنال.
أنهكته المحاولة،
لبلوغ ما لن يُبلَغ في القريب.
اليأس أشدُّ عنفاً،
يصيبه بالجنون.
الخوف يغزوه، يحتله،
يملأه رعباً.
انفصال… انفصام…
فوضى، قهر،
وموتٌ كثيف،
وكلّ ما هو أسوأ.
يحاول أن يقلب ذاته في الاتجاه المعاكس…
لا فائدة.
يشرح أنه ليس مسؤولاً عن كل ما يحدث.
لكن سرعان ما يتعرض لمحاولات تعنيف،
تجعله خاضعاً للمساءلة.
يستمر،
يسرّع إيقاع الحفر القاتل:
ألمٌ يُجاري ألماً،
بناءٌ من العداوات،
حربٌ فوق حرب،
وليس له في الأمر حيلة،
ولا قدرة على الخروج
من حفرة الورقة،
التي امتلأت بفكرة الانتحار.
بالتأكيد،
يواصل حفر قبره.
… بعد جهدٍ مؤلم،
وفي حضور ضوءٍ بائس،
أحسّ وكأن لا خيار أمامه
إلا وثبةً وحيدة،
يهبط بها إلى حالة
من اللامبالاة والركود،
إلى ما لا نهاية…
بين «مع» أو «ضد» – لا يهم.
يشتهي غضباً…
وغيظاً أشدّ من الحب.
تاه في أستار تصوراته المبهمة،
غارقاً في تفاصيل مخيبة للآمال،
طافحة بالرضا، والخوف، والابتذال،
تبدو وكأنها تؤكّد
مدى حاجته لتجاوز
دوّامة الرعب.
***
1 ـ تفكيك بنية قصيدة دوامة الرعب:
يبدأ النص برصد لحظة “المخاض الليلي”، حيث العتمة ليست مجرد غياب للضوء، بل هي بيئة خصبة لنمو القلق وتجسد الكلمات ككائنات مذعورة.
ينتقل النص تدريجياً من حالة “التدوين الخاشع” لما يمليه “القادم” (وهو رمز للإلهام القهري أو الوعي الباطن)، وصولاً إلى حالة من التيه والبحث عن “تلك التي رحلت”.
المسار الشعوري في النص يتبع خطاً انحدارياً (Downward Spiral):
البداية: كلمات تبحث عن مأوى (محاولة تشبث).
الوسط: انفصال، انفصام، وفوضى (فقدان السيطرة).
النهاية: حفر القبر، الركود، واللامبالاة (الاستسلام والعدم).
2 ـ التحليل النقدي: ثنائية “الخالق والمخلوق”
تتجلى في النص علاقة جدلية ومعقدة بين الكاتب ونصّه.
الكاتب هنا ليس “سيد الكلمات”، بل هو “وسيط مُستلب” يخضع لسلطة الكتابة التي تشبه القوة الغيبية.
الكتابة كفعل “حفر”: تكرار مفردات “الحفر”، “الحفرة”، “القبر”، يحول الورقة من مساحة للبوح إلى “ضريح”.
النص يشير بوضوح إلى أن فعل الكتابة هو في الحقيقة فعل قتل بطيء، أو حفر متواصل في جدار الروح للوصول إلى “اللاشيء”.
الرعب المقيم: ينجح الأصبحي في إعادة تعريف الرعب؛ فهو ليس صدمة مفاجئة، بل هو “إقامة طويلة في نفق”.
هذا التوصيف ينقل الرعب من حيز “الحدث” إلى حيز “الوجود”، مما يجعله حالة أنطولوجية (وجودية) لا يمكن الفكاك منها.
الاغتراب والتشظي: يظهر الاغتراب في عجز الكاتب عن ملامسة “تراب” غايته.
هو يبحث عن مدخل، عن باب، لكن “كل شيء يهرب منه”.
هذا الهروب يولد “الانفصام” الذي ذكره النص، حيث تصبح الذات غريبة عن فعلها وتتبرأ منه (“يشرح أنه ليس مسؤولاً”).
***
3 ـ البنية الجمالية واللغوية
الإيقاع الجنائزي: اتسمت الجمل بالقصر والحدة، مما خلق إيقاعاً لغوياً يلهث خلف المعنى، محاكياً نبضات قلب المذعور أو أنفاس المحتضر.
الصورة الشعرية: برع الكاتب في تجسيد المعاني المجردة.
الكلمات أصبحت “كائنات”، واليأس صار “عنيفاً”، والموت “كثيفاً”.
هذه الاستعارات حولت الحالة النفسية إلى مادة ملموسة يشعر القارئ بثقلها.
المفارقة (Paradox): تظهر في نهاية النص مفارقة مؤلمة؛ فبعد كل هذا الرعب والتمزق، يهبط البطل إلى “اللامبالاة”.
وكأن أقصى درجات الألم لا تؤدي إلى الخلاص، بل إلى “الركود” وفقدان القدرة على التفريق بين “مع” أو “ضد”.
***
4 ـ إضاءة ختامية
نص “دوّامة الرعب” هو صرخة في وجه الصمت الوجودي.
لم يكتب عمار الأصبحي نصاً عن الرعب، بل كتب “الرعب نفسه” وهو يتشكل على الورق.
تكمن قوة النص في كونه يضع القارئ داخل “الحفرة” مع الكاتب، ويجعله شريكاً في عملية الحفر القاتل، لينتهي به الأمر في حالة من “الرضا المبتذل” التي هي قمة المأساة؛ حين يتكيف الإنسان مع خرابه الشخصي.
وقبل أن أنسى أذكر القارئ أن “الخجل الودود” الذي يتصف به الأصبحي هو ما يجعل نصوصه تتسم بهذا “الرعب الهادئ” بدلاً من الصراخ الصريح، وكأن الشعر عنده هو المساحة الوحيدة التي يخلع فيها خجله ليواجه كل أشكال القبح التي تعشعش في أوساط حياتنا.
وباختصار يعد النص تجسيداً لـ “سيزيفية” الكتابة؛ حيث الصخرة هي الكلمة، والقمة هي العدم، والدوّامة هي القدر الذي لا مفر منه.




