
- عبدالباري طاهر
بِالأمسِ أتيتَ من أرض بلقيس؛ مُحَمَّلاً بالبخور، وَعَبَق التاريخ؛ تَأسُو الجِراحَ، وَتَعِدُ الجَماهِيرَ بــ «أرض الجنتين».
تبني المُدرَّجَات، وَتُشَيِّدُ السُّفُن؛ لتمخُرَ عُبابَ المُحيطات. تَجُوبُ البِحَار، وَتُهيئ القوافل لِعبورِ الصحراء.
تَستدعِي أرضَ الجنتين، وَتَبعثُ أمجادَ سبأ.. أتيتَ مِنْ سبأٍ بِنبأٍ يَقين.
من هذه الأرض، صُغتَ اللحن والوترَ، وَصُغتَ من أطيافهما وظلالهما الترانيم. جَعلتَ من «اليمن السعيد» الأمَّ، والعشيقة.
كَتبتَ بِدمِ القَصِيدة أنشودةَ الجنوب، وَكُنتَ من الأصوات الأولى الدَّاعِية للحرب ضد الاستعمار والتطويح بالإمامة.
احتفيتَ بذكرى المولد النبوي. أطلقتَ عَليهِ «يَقظة الصحراء». رَصَّعتَ الدُّنيا أغَاريدَ وَشِعرًا، وَمَلأتَ الزَّمنَ ضَجيجًا وفِكرًا وَأدبًا سَامِقًا.
امتلكتَ سِرَّ الكلمة الزاهية؛ فَكانَتْ دَربَكَ الوَاسِعَ لطريق الفجر الذي أسَّستَ بالكلمة والموقف؛ لإبزاغ فجرهِ الذي مَشيتَ فِيهِ، وَمَشت مَعكَ أعدادٌ كبيرة من أبناء شعبك الذي كَانَ يَرى في قَصائِدك زَادًا مَعرفيًّا وِجدانيًا للعبور إلى طريق الفجر.
غَنيَّتَ لليالي الجَائِعين، وَمَقابر الأحياء- البيوت النائمة أبدًا على الطَّوَى، وَتَمليتَ الأطفال المنذورين للجوع والمرض والشقاء.
جَعلتَ للشاعر رِسَالةً عَظيمةً، وَجَعلتَ الوجودَ عُشَّهُ؛ فهو ناشر ألحان الوجود؛ بَينَمَا يطوي الجِراحَ دَاخِله؛ فهو عَاشقُ النُّور وَالنَّدى وَسُمُّوَ الرُّوحَ، يَرتشِفُ الجَمَال من قلب الظلام وَالحَجَر.
غَنيتَ الشِّعرَ وَالشُّعراء.. غَنيَّتَ الشَّمسَ وَالقَمر.. غَنَيَّتَ البَشرَ وَالحَجرَ.. غَنيتَ الدَّربَ، وَمَجدَّتَ الجِبالَ وَاحتضنتَ الوِديَان والسهول، وَكُنتَ أبًا لليمن التي كَانَت: الأمَّ، والأختَ، والعشيقة.
تَجاوَزتَ حِيرةَ السَّاري إلى مَدرسة الحَياة، وإلى طريق الفجر.. دَعوتَ أبناء الجنوب؛ لِحملِ السِّلاح ضِدَّ غَاصِبِ أرضِهِم.
بَشَّرتَ بالفَجر الجَديد، وَغنَّيتَ مَواويله.. دَعوتَ أبناء شَعبكَ للالتحاق به؛ بل أسهَمتَ بجدية في إبزاغ شَمسهِ الأبدية.
وَفي الطَّريق إلى الفجر، فَجَّرتَ الأسئلة الأكثر شَجاعةً وثوريَّة:
لماذا لي الجُوعُ والخُبزُ لَكْ؟!
يُناشِدني الجُوعُ أن أسَألكْ
يبَدأُ الشاعر في طرح الأسئلة الأكثر إزعاجًا وَدَوِّيًا..
لِمَنْ أرعِشُ الوترَ المُجهَدَا
وَأشدو وَليسَ لِشدوِي مَدَى
أو:
وَتُهنَا؛ وَحُكَّامُنَا في المَتَاهِ
سِباعٌ عَلى خَطونَا حُوَّمُ
يَعيثُونَ فِينَا كَجيشِ المَغُولِ،
وأدنى إذا لوَّحَ المَغنَمُ
أخي إن أضَاءتْ قُصُورُ الأمِيرِ
فَقُلْ: تِلكَ أكبَادُنَا تُضرَمُ
وَيَبقى الشاعر في انتظار الفَجر، فَتقلقُ الليلَ خُطَاه، ويُخصِب بِجِراحِهِ الصُّخُور؛ ليجتني ثِمارَ الجمر؛ فَيحيلَ الدَّربَ إلى رِياضٍ تُضيءُ، وَجَداوَل من نُور، وتدري خطاه إلى أين تجري..
في عام 1378هـ/ 1958 يُلقِي الشاعر الكبير قَصيدةَ «عِيد الجلوس» أمام الطاغية؛ مُنتظرًا الفراغ منها، والذهابَ إلى السِّجن في الحدِّ الأدنى..
كَانتَ قَصيدةَ «عيد الجلوس» بمثابة «المَنَفِستُو» للثورة؛ فهي دعوة قوية للثورة والتطويح بالإمامة والاستعمار..
عِيدَ الجُلوسِ أعِرْ بِلادكَ مَسْمَعًا
تَسألُكَ: أين هناؤها؟! هل يُوجَدُ؟!
تَمضِي وتأتي، وَالبلادُ وَأهلُهَا
في نَاظِريكَ كَمَا عَهِدتَ وَتَعهَدُ
لا أمهَلَ المَوتُ الجَبَانَ، وَلا نَجَا
مِنهُ، وَعَاشَ الثائرُ المُستشهِدُ!
وَيَمضي الشَّاعِر في تفجير الأسئلة التي كَانَ لها أعمق الأثر على نفوس الشَّعب والضباط الأحرار، وَتمتدُّ قَامةُ الشاعر إلى الأرض العربية، فيحتضن قضية فلسطين، ويغني لدمشق:
اليومَ ألقى في دِمَشقَ بَني أبي
وَأبثُّ في أرض الكِنَانة مَابيْ
وَأهيمُ، والأنسامُ تنشرُ ذِكرهُم
حَولي؛ فتنضحُ بالعطور ثِيابيْ
دَعنِي أغَرِّدُ؛ فَالعروبةُ رَوضتي،
وَرِحابُ مَوطنُهَا الكَبيرَ رِحَابِيْ
وَيمضي على الدَّربِ متُحدِّيًا حُسامَ يزيد، وَوَعيدَ زِياد.. وعندما يصحو الشَّعبُ قبل الثورة بثلاث سنوات..
اعذرِ الظُّلمَ، وَحَمِّلنَا المَلامَا
نَحنُ أرضَعناهُ في المهدِ احترامَا
نَحنُ دَلَّلنَاهُ طِفْلاً في الصِّبَا،
وَحَملنَاهُ في العرشِ غُلامَا
وَغَرَسنَا عُمرَهُ في دَمِنَا؛
فَجَنينَاهُ سُجونًا وَحِمَامَا
وعندما انفجرت مظاهرات الطلاب في صنعاء قُبيلَ الثوَّرة بأسابيع، غَنَّى البردوني المظاهرة الصاخبة:
هتاف هتاٌف، وَمَاجَ الصَّدَى،
وَأرغَى هُنَا، وَهُنَا أزبَدَا
وَيُدينُ تَشجيعَ الصراع العدناني القحطاني الذي كان الإمام يُشجعهُ، في قصيدته «حِوار جارين». وَيشتكي في «بُشرَى النبوة» أولئك الحكام الذين يَبنونَ بالظلم دُورًا؛ بينما مجدهم رِجسٌ، وَأخشابٌ، وأحجارُ.
وَعِندمَا سَطَعتْ شَمس 26 سبتمبر، صَرخَ البردوني في نفس اليوم:
لَنْ يَستكِينَ، ولن يستسلمَ الوطنُ
تَوثَّبَ الرُّوحُ فِيهِ، وَانتخى البَدنُ
وَيُشيد بدور قائد ثورة 23 يوليو الزعيم جمال عبد الناصر. وَيَبدو البردوني في آخر ديوانه «طريق الفجر» أكثر احتِفاءً وَاهتِمَامًا بالثورة في جنوب الوطن..
حُرَقُ الجنوبِ قَذائفٌ في مُهجتِي
تَغزو الحُدودَ وتحرقُ الأسدادا
وَيُحيِّى ذِكرَى استشهاد عبد الله اللقية البطل الذي صوب المسدس إلى صدر الطاغية أحمد، وَيُحيِّي زيارة جمال عبد الناصر لليمن في العام 1964.
ذَهبتَ أيها البردوني إلى «مدينة الغد».. كُنتَ دَائمًا في درب المستقبل. تَحدَّيتَ الصَّمتَ، وَولَجتَ إلى الزِّحامِ الفضيع- زحام دَويِّ الرجل المقتدر الحامل «شُعلة زيوس».
كُنتَ أحد عُشَّاق العذاب البديع. ألست «عَزَّاف الأسى»، و«أشواق الضحى»؛ حُلم المَواسِم؟!
تَوحَّدتَ بالغد، وبمدينة الغد. سَكنتَ مُتكآت النجوم، وَتوشَّحتَ الصَّباحَات الرائعة، وَتَوحَّدتَ بوجدان وأفئدة الناس وضمائرهم وَمُهَجِهِم.
ذَمَمتَ المتاجرين بالموت، وغنيت للتي كَانتْ وَكَان، وأرَّختَ الحسناء الريفية، وَوَقعتَ في الخدعة الحاشدة، وَعَاشرتَ أصيل القرية، وصورَّت اللص في منزل الشاعر، وَسَخِرتَ منه بمرارةٍ وحزن، وَسَجَّلتَ ذكريات شيخين..
لَمْ يَعُدْ شَيءٌ كَمَا نَألفُهُ
فَعلامَ الحُزنُ أو فِيمَ الفَرحْ؟!
دَخَلتْ صَنعاءُ بَابًا ثَانيًا
لَيتَهَا تَدري إلى أين انفتح!
ألم تكن تلكم نبوءة بردونية ثورية. فالقصيدة في 1967، وَتَحديدًا في أبريل. وفي العام ذاته قام انقلاب نوفمبر الذي يرى فيه الشاعر إعلان وفاة سبتمبر.
خَاطبتَ كَاهِنَ الحرف.. عَاتَبتهُ على البكاء، وَالغِنَاء للا شيء. وفي «حكايا سنين» لم تؤرخ لفقيد الأدب والشعر أبي الأحرار محمد محمود الزبيري، وإنَّمَا هي ملحمة الثورة اليمنية، وقصة الشعب اليمني التي ابتدأت وامتدت لِسنينَ طويلة؛ فكانت مرثية شعب بأكثر مِمَّا هي مرثية رفيق دربك، وابن مدينتك الباسلة يا عبد الله.
لكنك تعود للغناء الذي هو رِئَتُكَ النَّقِيَّة والخالدة للاندغام بوجدان الناس والتاريخ وَالمُثُل العظيمة= تغني لـ«عين أم بلقيس».. كاَنَ الغناء بُكاءً مَريرًا وَحُزنًا لا يبلى ولا يفنى.. تبكي يا شاعر اليمن العظيم بعيون الأيتام والثكالى..
لكن في صدري دُجى الموتى وأحزانُ البيوتْ
وَنشيجُ أيتامٍ بلا مأوى، بِلا مَاءٍ وَقُوتْ
من هذا هنا؛ غير الأسامي الصفر تصرخ في خُفُوتْ
؛ غير انهيار الآدمية، وارتفاع البنكنوتْ
وحدي ألوكُ صَدى الرياح، وأرتدي عُريَ الخُبوتْ
تبكي صنعاء الموت والميلاد: سبتمبر 62، ونوفمبر 67.. تبكي منافي اليمن تَحتَ كُلِّ شَمس، وفي كل كهوف الموت.. تبكي بِلادًا..
هذي بلادي وفيها كُلُّ شَيءٍ إلا أنا وبلادي.
تَدعو صنعاء- أختَ القبور للثورة؛ دَاعيًا شمسها؛ لتدور.. تُغنِّي أيها العظيم لعين أم بلقيس الفتوحات، والرايات، وتغزل من روائحها الزكية المجاديف والمرساة.
تعلن التمرد على كُلِّ شَيء- كُلِّ شيء.. تَبصقُ في وجه الملق والطاعة الذليلة والتوبة الفاجرة.. تعترف بلا توبة، وتسخر بملء الفم من المَلَق الخانع الذي يُحَرِّم على العاصي «الشاعر» خيار جهنم
تسخر من المواطن الذي أصبح بلا وطن، وتستهزئ بالحكام الأشدَّاء: المقتحمين على شعوبهم، الهاربين أمام الغزاة..
وتضحك على الأبطال الذين كانوا رِجَالاً قبل أن يحكموا.. تتوحد بطقوس الحرف؛ لَكأنَّكَ شيطان الحرف: عابده، ومعبوده.
تسافر إلى «الأيام الخضر».. تغوص عَميقًا في الضمير الحي، وتبحر في مآسي الناس، وَتُلملم الأوجاع والأحلام، وَتَصوغُ منها رُؤىً كأغاني الأزاهير، وكؤوس الشَّذَى، وَرفيفِ النَّبع، وَهَجْسِ الروابي.
وتقهقه في وجه الدبابة التي تحركت يوم الـ 13 حزيران 74؛ فجدتك نخلة بنت عبد الله كانت عارفة بالتحرك، وتعود تغني بصوت حادب وحنون الأخضر المغمور.
تدخل «زَمنًا بلا نوعية».. تدرك أسرار اللا طعم، واللا لون، واللارائحة.. تكون أيها الشاعر شَاهِدَ العار، وفقدان المعنى.
وَتَقرأ دِلالاتِ «أعراس الغبار» التي تعرف فيها معاني الترجمة الرملية لحقب النفط، وزمن الأصولي بدون فقه.
تَقطفُ «وردة من دم المتنبي»، لكنَّهَا أيُّهَا المبدع لا تستطيع قهر التخلف والزيف والقحط إلا بتفجير أنهار الإبداع، وإخصاب المعرفة، وتعميق الوعي بالجمال وقيم الحياة.
تَخلقُ بإبداعك العظيم «كائنات الشوق الآخر».. تَجعلُ مِنْ «مصطفى» رَمزَ التحدي والخلود. تقرأ في جَلَدهِ وصموده هَشاشةَ قُوَّة المستبدين، وقوة المناضل الوطني؛ فهو كالغيم يهمي، ويزحف كالبراكين.
ترسم صورة بشعة في «رواغ المصابيح» لِزيف الوعي، ومسخ الهوية، وتزويق التاريخ. جُبتَ العصور. كَاشفتَ الغيب، وجعلت من دارة الثريا دواة، وأريت في مهد عاد غَادةً طوفت الدنيا، وَاطَّلعتَ على أسرار أسرارها، وَفَتقتَ أكمامَ الضَّمائِر، وَاحتسيتَ خَمر َاليقين، وَمَاءَ العِرفَان، وَتمليتَ بوعي دَعوةَ الحكيم علي بن زايد، وأتقنت حِكمةَ «َشابَ قرناها»، وَحَملتَ لشعبك كنُوز المعرفة والإبداع من كُلِّ فَاكهة؛ فكنت -بحقّ- المثقفَ الذي أعادَ صِياغة الإبداع في عصره؛ ليكونَ الضَّميرَ الأكثرَ نَقاءً وثَوريةً وعُمقًا.




