
– الرواية كمرآة استحضرت التاريخ لتكشف ثبات القمع رغم تغيّر الوجوه وتعاقب الزمن
- كتب: عمران الحمادي
تأتي رواية «حصن الزيدي» للكاتب والروائي اليمني محمد الغربي عمران، الصادرة عن دار «هاشيت أنطوان» في بيروت عام 2019، كنص روائي يكشف بعمق بنية السلطة وتحولاتها في اليمن. توظف الرواية التاريخ واستدعاء أحداث من الماضي لتعيد طرحها ضمن سرد أدبي يكشف القمع الاجتماعي والتسلط الطبقي، حيث تتشكل الشخصيات داخل بنية اجتماعية ضاغطة لا تتيح لها الاكتمال إلا جزئيًا، بل تدفعها أحيانًا نحو التصدع النفسي والانكسار، في تجربة سردية تكشف تقلبات السلطة وتكرار نمط القهر رغم تغيّر الوجوه وتعاقب الأحداث.
ضمن هذا الأفق، تتقدّم اللغة الرواية بوصفها أداة بناء وكشف في آن لتعيد طرح التاريخ بلغة تؤكد أن هناك ظلماً مستمر في القديم من ماضي اليمن وإذ الكاتب يستحضر الغربي عمران التاريخ في غالبية روايته الأدبية، يعيد احتجاجه ككاتب وبناء أحداثاً جديدة في إشارة منه إلى رفض الكثير من الأحداث.
حازت الرواية « حصن الزيدي » على جائزة حمد الشرقي للرواية العربية في دورتها الأولى (المركز الثاني).
منذ عتباتها الأولى، تضع الرواية البنية الطبقية في صلب اشتغالها، وتقدّم فضاءها بوصفه مجالًا لانقسام حاد بين مركز مهيمن وهامش مُقصى. غير أن هذا الاشتغال لا يقف عند حدود التمثيل الاجتماعي المباشر، بل يتجسد مكانيًا عبر “الحصن” نفسه، الذي يتحول إلى بؤرة دلالية تختزن أشكال السلطة المتعاقبة. فالحصن لا يظهر كحيّز جغرافي فحسب، بل كجهاز رمزي يعيد إنتاج الهيمنة، ويتبدّل اسمه بتبدّل السلطة دون أن تتغير بنيته العميقة. وهنا تتكشّف إحدى أهم مفارقات النص: التحوّل في الواجهة يقابله ثبات في الجوهر.
حيث يتجلّى هذا التحوّل عبر انتقال الحصن من شخصية « الشيخ مرداس» وهي إحدى شخوص الرواية، بوصفه ممثلًا للهيمنة القبلية، إلى سلطة الزيدي، حيث يُعاد تشكيل القمع عبر خطاب ديني مؤوّل، وصولًا إلى لحظة “الثورة” التي تدخل على ظهر دبابة، معلنة قطيعة ظاهرية، سرعان ما تتلاشى لتعيد إنتاج النسق ذاته بأدوات جديدة. هذا التتابع لا يُبنى بوصفه تعاقبًا في الوقائع، بقدر ما يكشف عن تماثل البنى، واختلاف أقنعتها.
تتحرك الشخصيات داخل هذا الفضاء بوصفها امتدادات لهذه البنية، لا كذوات حرة بالكامل. “شبرقة” وهي شخصية من شخصيات الرواية لا تظهر فقط كأم ثكلى، بل كذاكرة سردية يستند إليها النص في استعادة الكثير من الوقائع، غير أن هذه الذاكرة لا تظل دائمًا منضبطة بحدود الشخصية، إذ يتجاوزها السرد أحيانًا نحو معرفة أوسع، ما يكشف عن حضور راوٍ يعيد ترتيب الوقائع خارج وعيها.
شخصية “عنصيف”،التي اختارها الكاتب لتكون إسم أحد شخوص الرواية بناءً على نبتة يمنية تسمى” عنصف “فيتشكّل بوصفه أحد أبناء القبيلة بإشارة إليه كجزء من بنية الحصن، قبل أن يتحول مقتله إلى لحظة انكسار، غير أن الفقد لا يفضي إلى تحوّل جذري، بل يظل محصورًا في أثره العاطفي، كما يتبدّى في “شبرقة”، التي تبقى معلّقة بذكراه، وكأن الفقد هنا لا يفتح أفقًا بقدر ما يعيد إنتاج الدائرة الحزينة ذاتها.
في المقابل، تبرز “حمامة” بوصفها تمثيلًا عن ماهو في تصنيفات الضعف والصوت الضعيف ، خاصة في علاقتها بـ”عنصيف”، التي لا تخرج عن كونها إعادة إنتاج لعلاقة حميمية تريد القرار.
ومن خلال هذه الشخصية، تكشف الرواية عن رسوخ التراتبية داخل الوعي الجمعي، حيث لا يُنظر إلى الآخر بوصفه ندًّا، بل كموضوع للهيمنة أو الإقصاء.
لقد نجحت الرواية في تصوير تثبيت مناخ عام يهيمن على اليمن من خلال رمزية الحصن بوصفه رمزاً لمنع القرار والحكم ولكنها رواية احتجاجية كاشفت الواقع المرير ورفضته بلغة الرواية ذات البناء المتسارع للأحداث .
فالحصن، في تحوّلاته، لا يفتح أفقًا بقدر ما يعيد إنتاج الإغلاق، حتى في لحظة “الثورة”، التي تنتهي إلى دبابة صامتة، تتحول تدريجيًا إلى هيكل فارغ، في صورة تختزل مصير التحولات الكبرى حين تفقد قدرتها على التغيير.
في المحصلة، لا تطرح حصن الزيدي سؤال السلطة بقدر ما تعيد صياغته داخل بنية سردية تكشف عن استمراريته. إنها رواية لا تعوّل على التحوّل بقدر ما تشتغل على كشف وهمه، حيث تتبدّل الأسماء، وتتغير الوجوه، لكن البنية تظل قائمة، تعيد إنتاج ذاتها في كل مرة، بصيغ مختلفة ونتائج متشابهة.




