في تحرك يُعد الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترح ميزانية عام 2027، فيما وُصف بـ “ميزانية الحرب”، متضمناً إنفاقاً عسكرياً ضخماً يصل إلى 1.5 تريليون دولار، بزيادة كاسحة بلغت 50%. وتُوجَّه هذه المخصصات لتعزيز القدرات القتالية، بما في ذلك بناء 34 سفينة حربية وتمويل نظام “القبة الذهبية” الدفاعي. ويأتي هذا التوسع العسكري على حساب الإنفاق المدني؛ حيث تضمن المقترح “جراحة تقشفية” شملت خفض 52% من ميزانية وكالة حماية البيئة و19% من وزارة الزراعة، ما يضع الإدارة أمام احتمالات مواجهة حتمية مع الكونغرس قد تصل إلى إغلاق حكومي وشيك.
حسابات العجز
على صعيد الإصلاح الداخلي، لم تفلح جهود تقليص البيروقراطية التي قادها إيلون ماسك —والتي شملت تسريح نحو 300 ألف موظف اتحادي— في احتواء العجز المالي؛ إذ تشير التقديرات إلى اتساعه ليبلغ 1.853 تريليون دولار، مع استمرار الدين العام في الارتفاع متجاوزاً عتبة الـ 39 تريليوناً. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، تبدو الإدارة “مقيدة” بحسابات سياسية معقدة، في ظل تجنبها المساس بالخطوط الحمراء للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ما يعمق فجوة التوازن بين الطموح العسكري والواقع المالي المتأزم.
نذر “التضخم الحربي”
بالتوازي، حذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) من تداعيات هذا التصعيد على الأمن الغذائي العالمي، ودقت ناقوس الخطر معلنة ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء بنسبة 2.4% خلال مارس، مدفوعاً بما وصفته بـ “التضخم الحربي” الناتج عن اشتعال تكاليف الطاقة. وحذر كبير اقتصاديي المنظمة، ماكسيمو توريرو، من أن استمرار التوترات سيجبر المزارعين على تقليص المساحات المزروعة أو خفض استخدام الأسمدة، ما يهدد الإمدادات العالمية للعامين المقبلين؛ لاسيما مع قفزات سعرية مقلقة طالت السكر (7.2%)، والقمح (4.3%)، والزيوت النباتية (5.1%).
الخلاصة:
تكمن المفارقة في أن الإنتاج القياسي للحبوب (3.036 مليار طن) لن يكون له أثر ملموس على جيوب المستهلكين؛ إذ تقف تكاليف الطاقة المحكومة بالإنفاق العسكري الهائل حائلاً دون استقرار الأسعار. ففي الوقت الذي تُرجح فيه كفة “السلاح” على حساب “المناخ” بخصم 52% من ميزانيات البيئة، يواجه الاقتصاد العالمي ضغوط دين تريليوني (39 تريليون دولار) وتضخماً حربياً يلتهم الأساسيات. وبالتالي فإن الصدام بين طموحات التسلح في واشنطن وتحذيرات الأمن الغذائي في روما يمهد لنظام اقتصادي جديد بحلول 2027، يُعيد تشكيل ملامح الخارطة الدولية.




