- د. قاسم المحبشي

في زمنٍ تتكاثر فيه الضغوط وتطول فيه مسافات الانتظار، وصلني من مدينتي الحبيبة عدن كتابٌ ليس ككل الكتب، بل كرسالة نجاةٍ صغيرة عبرت البحار لتقول لي إن الثقافة ما زالت قادرة على أن تمدَّ جسورًا حين تتهاوى الجسور الأخرى. كتاب «شعور سنة» للكاتبة الواعدة هبة مسعد الحيدري – حفظها الله – جاءني من القاهرة، أمّ الدنيا، محمولًا بمحبة الأستاذ الناشر إبراهيم موسى النحاس، وبرعاية كريمة من الدكتورة مارينا دي ريخت، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بجامعة فريجي أمستردام، التي تكفّلت بإيصاله إلى هولندا، أمّ الإنسانية. وللكتب رسلٌ كما للطيور أجنحة، أما الصراخ فمصيره أن يذوب في الهواء.
كلما تأملت رحلته، ازددت يقينًا بأننا نعيش في عالمٍ لم تعد فيه الثقافة الشفاهية قادرة وحدها على حمل الوعي الإنساني المركّب. فالكلمة المنطوقة، على جمالها ودفئها، ابنة اللحظة العابرة؛ تولد في الزمن وتموت فيه، ولا تترك أثرًا إلا في ذاكرةٍ قابلة للنسيان. الصوت لا يُرى، ولا يُمسك، ولا يُجمَّد؛ هو حدثٌ يحدث ثم ينقضي، وإذا أوقفته لم يبقَ منه إلا الصمت. أما الكتابة فشيءٌ آخر: أثرٌ يقاوم الفناء، نقشٌ في جسد الزمن، حضورٌ بصري يتيح للفكرة أن تعود كلما استدعيناها.
في الثقافة الشفاهية، تضيق العبارة لتُحفَظ، وتتكرر لتبقى، ويغدو التفكير نفسه محكومًا بضرورات الذاكرة. أما في الثقافة الكتابية، فثمة فسحةٌ للتأمل، وحيّزٌ للترتيب، وإمكانٌ لأن نرى الفكرة وهي تنمو خارج قلق التلاشي. الكتابة ليست ترفًا، بل هي فعل «جمع»؛ جمعُ ما تناثر من خواطر، وتنظيمُ ما تزاحم من أفكار، وترتيبُ ما تعثّر من رؤى. هي قانون المرور للذهن، كما أن الإشارات قانون المدينة. بعلامات الوقف – نقطة، فاصلة، فاصلة منقوطة – تنتظم الأفكار كما تنتظم المركبات في شوارع الحاضرة. وحين تختل الإشارات، يقع الحادث؛ وحين تضطرب اللغة، يضيع المعنى.
من هنا، بدت لي تجربة هبة في «شعور سنة» أكثر من مجرد إصدارٍ أدبي؛ إنها محاولة واعية لجمع المعنى في زمن التبعثر. في هذا الكتاب، الذي صدر في جزأين وطُبع في القاهرة قبل أسابيع قليلة، نقرأ رؤيةً تمزج بين الحسّ الفلسفي والنبض الإنساني. تعالج الكاتبة قضايا جيلها بجرأةٍ لا تنفصل عن رهافة: ترفض ازدواجية الفكر والسلوك، تنتصر للعدالة، وتقاوم الظلم، وتعيد مساءلة مفاهيم الصداقة، والتنمر، ودور الأم، وعلاقة الأنا بالآخر، والحرية، والأمن، والنظام، بل وتمضي إلى تخوم أسئلة الذكاء الاصطناعي بوصفه قدرًا جديدًا يطرق أبواب الإنسان.
ليس الكتاب بيانًا متمرّدًا على الواقع فحسب، ولا صرخةً نسوية تطالب بحقوق المرأة بمعناها الضيق، بل هو تعبير عن حالة إنسانية عامة؛ عن قلق الكائن في بحثه عن معنى، وعن محاولة التوفيق بين الذات والعالم. فيه شيء من السيرة، وشيء من السرد القصصي، وشيء من التأمل الذي لا يدّعي امتلاك الحقيقة بل يوقظ السؤال. والسؤال – كما نعلم – بداية الوعي، وأول الطريق إلى المعرفة. لذلك يتكرر في النص لا بوصفه حيرةً، بل بوصفه فتحًا لأبواب التفكير.
تعتمد هبة على التضاد والمقابلة لتجلو المعنى؛ فالحُسن يُظهره الضد، والنور لا يُرى إلا على خلفية العتمة. لغتها سهلةٌ ممتنعة، بعيدة عن الغموض، لكنها مشبعة بالمجاز الذي يحررها من المباشرة، ويمنحها بعدًا فنيًا يليق برؤيةٍ تتأمل الذات والوجود معًا.
وقد علمتُ أن الكتاب وصل البارحة إلى عدن، وكأن الدائرة قد اكتملت: من عدن خرجت الروح، وفي القاهرة طُبع الأثر، وفي أمستردام عَبَر الجسر، ثم عاد إلى موطنه الأول. هكذا تفعل الثقافة حين تكون صادقة؛ تسافر لتعود، وتغترب لتكتشف ذاتها.
أما أنا، فما زلت أؤمن أن الثقافة هي حيلتنا الوحيدة في أزمنة الضيق والمحنة. في زمن الاستقطاب والحروب والهرج، على المثقف أن ينأى بنفسه عن ضجيج التفاصيل، وأن يبحث عن الفكرة التي تجمع ولا تفرّق، تداوي ولا تجرح، تواسي ولا تشمت. يكفي الناس ما يثقلهم من خيبات وانكسارات. الكلمة نحلةٌ أو ذبابة؛ إمّا أن تنتج عسلًا مصفّى فيه شفاء، أو تحمل أوبئة تفسد الأرواح قبل الأجساد. والمثقف الحقّ هو من يختار أن يكون نحلةً في بستانٍ أرهقته الحرائق.
بوركت حفيدتي المبدعة هبة، وجزا الله خيرًا الدكتورة مارينا دي ريخت التي أوصلت الهدية، والشكر موصول للأستاذ إبراهيم النحاس على كريم مبادرته. ورمضان كريم… فما زلنا نشتاق إلى المدن التي تسكننا وإن ابتعدنا عنها، ونؤمن أن الكتب، وحدها أحيانًا، تعرف الطريق إلينا كما نعرف الطريق إليها.




