
- مصطفى راجح
السياسي اليمني الأكثر صدقًا ومبدئية. الشخصية الوطنية المحكومة بالضمير والانتماء. حقق الوحدة اليمنية، كان صاحب قرارها الأهم، وكان توافق صالح معه مكمّلًا للقرار التاريخي، وحاسمًا في تحويلها إلى واقع.
صادق في قراراته الصائبة، وأخطاؤه أيضًا.
أتذكر نغمة صوته في السبعين، أسمعها في بداية الثانوية، وأشعر بها تسري في صنعاء، ناسها وشوارعها وكل ما فيها من بشر وحجر.
كان رفيعًا بحجم اليمن، وذو قامة وطنية عالية بعلو اليمن.
علي سالم البيض من أبرز شخصيات اليمن في القرن العشرين، وأحد أرواحها الكبرى في قرن النضال والتأسيس للجمهورية والاستقلال والوحدة اليمنية.
هذه المكانة هي ما تبقى في ذاكرة اليمن في لحظة رحيله إلى العالم الآخر.
سيمضي وقت طويل قبل أن نتمكن من فهم حجم الفعل التاريخي الذي أقدم عليه الرجل برفقة علي عبدالله صالح في 22 مايو 1990.
كيف أفلت من كل حسابات الخصومة. كيف تحرر من العداوات ومعايير الربح والخسارة. كيف تحرك خارج هوس الغلبة والتغلب. كيف تلاشت في منظوره كل الصور عدى صورة واحدة: خارطة اليمن الكبير.
كم أحببنا علي سالم البيض وتطلعنا نحوه بأرواح مجنحة واستمعنا لخطاباته بشغف اليمني الحالم بتاريخ جديد.
كان زعيمًا وزمنًا جديدًا
وكان صداه يتردد في الشعب كما لم يحدث من قبل
وكانت الوحدة ربيع اليمن وديمقراطيتها حين كان الخريف لا زال في بلاد عربية لم تكمل بعد تثائبها وهي تصحو ببطء خارجة من سرداب الحرب الباردة ومناخها الخانق
لولا علي سالم البيض لم تحققت الوحدة.
كان متشبعا بها
كان متماهياً مع حُلم الشعب
كان حالما
كان بعض رفاقه يقولون انه ” حالم ” وليس سياسي
يعتقدون أن السياسة لا تكون إلا موغادة !
لا يدرون انهم يمجدوه بهذه الصفة ، من حيث أرادوا أن يذموه
كان حالماً
ولا يصنع التاريخ إلا الحالمون
أما الواقعيون فلا ينظرون أبعد من أقدامهم
كان حالماً
وكان وطنياً
وكان شجاعاً
ومغامراً بأرفع حُلم لليمن
كان يمنيا حالما
ألقى بالكل إلى وسط حلبة اليمن
ولن يكون بمقدور أحد أن يوجد مسارا للنجاة خارج سقف اليمن الكبير الذي وضعه علي سالم البيض
لا نجاة إلا باليمن الكبير
الكل داخل المسب
ومن يبحث عن طريق نجاة أقل من سقف اليمن لن يصل سوى إلى المتاهة
أريد أن أكتب عنه. لكنني مرتبك ومشوش في لحظة الرحيل. سأقف هنا. على وعد أن أكتب عنه فيما بعد. في لحظة أكون فيها قادرا على أن أجمع نفسي. لحظة تكون مناسبة لكي ألملم ذهني في مواجهة أصدق لحظة سياسية وطنية في تاريخ اليمن: علي سالم البيض
وداعا يا علي سالم البيض
رحمات الله تغشى روحك في الأعالي.




