- د. عبدالعزيز علوان

تنويه:
بدايةً، أتوجه بالشكر والامتنان للرفيق فوزي العريقي، الذي دعاني مرتين لتدشين هذا الديوان. وقد تأجل التدشين الأول، الذي كان مقررًا في مبنى التضامن، بينما صادف التدشين الثاني ظروفٌ خاصة بي حالت دون حضوري.
الرفيق فوزي العريقي اقتطف باقةً من تلك المشاقر المسروقة، وأهداها إليّ، مصمخًا بتوقيعه الرفاقي المعتاد في هكذا إهداء.
توطئة:
بالعودة إلى القاموس اللغوي، فإن “سارق” اسم فاعل من الفعل “سرق”، وقد ورد في القرآن الكريم باللفظ ذاته.
وتكمن دلالته اللغوية في من يمارس فعل السرقة، أيًا كان نوعها؛ سواء أكانت ماديةً كالمشاقر، أم معنويةً كالقلوب، والأنظار، والأسماع، وغيرها.
أما لماذا لم تترك سرقة الشميري أثرًا سوى رائحة مشاقر أمه، فتلك هي البؤرةُ المركزية للديوان. إنها مشاعر الأمومة ودفؤها، أحاسيسها وحنينها، شوقها وشجونها.
الشميري، هذا السارق الذي حبّب إلي أثر هذه السرقة، بدءًا من مغامرتي القرائية للديوان، بحثًا عن أثرٍ مادي أُثبت به أن الشاعر محمد الشميري قد سرق المشاقر من مكانٍ محروس، عن قصد وترصد، وفق الدلائل الفقهية.
وحتى لا أذهب أبعد من هذه التوطئة، أجدني مضطرًا للقول بأن مغامرتي القرائية هذه تُشكّل وجهة نظرٍ انطباعيةٍ للديوان، وليست قراءةً تشريحيةً لقصائده.
التفاصيل:
بدءًا بعنوان القصيدة الأولى “صيرورة”، توقفت مليًّا أمام مصطلح “القصور الذاتي” بمعناه الفيزيائي، المتعلق بالقصور الكتلي للحركة، أو مقاومة الجسم للتغير في حالته الحركية؛ حيث يظل الجسم ساكنًا في سكونه، أو متحركًا وفق نظام يؤطر تلك الحركة.
الكتابة الآن تشبه حركة القصور الذاتي؛ إنها كتابة، رغم حركتها، تظل دائرةً في محيط اللامعنى. سرعة لم يصادق القدر على قياس مقدارها ولا اتجاهها، بحسب القصيدة التي تحاول الإيمان، لكن الثلاث نقاط الفارغة بعد الاستدراك … تفتح الأفق أمام أكثر من تأمل، ولا تعترف بالهدايات الساقطة من أعلى.
يضع هذا السطر الشعري القارئ في مفترق طرق، يتقاطع فيه: العلمي (الفيزيائي الحتمي)، بالغيب (الإيماني)، باللايقين الكمومي، وبالفطرة المتمرّدة معرفيًا. وهنا يظل القارئ مع الشاعر واقفًا في منتصف تقاطع هذه الطرق، لا يدري إلى أين يذهب.
حاولت الاكتفاء بهذه الصفحة وأنا أتصفح الديوان لحظة إهدائه في مقيل فتيني الهوى، رفاقي الهوية؛ وحين عدت مساء، وجدتني أقرأ الديوان صفحةً صفحة، حتى المنتهى.
لن أبالغ إن قلت إن قارئ الديوان سيجد نفسه في أماكن تتوزعها صفحاته، وفي فترات زمنية متدرجة في العمر، يعيشها منذ أن وعت الحركات خطواته، وأسّطرت الحكايات ذاكرته وذكرياته، واختطّت المدرسة ألف باء عباراته.
يمثل الديوان بداية من عتبة الغلاف الحميمي الدافئ باللون الأصفر، حنينًا للأمومة، يدًا صغيرة تطلق فراشات الأحلام لتقنطها يد أكبر، إشارةً إلى دلالات غيبية ما.
الديوان ببساطة، لغته ممتنعة على أن يوتي بمثلها شاعر آخر، وبعمق فلسفته الضاربة في أعماق الاستخدام التجريدي للغة اليومية، واتساعات فضائه المعاش يوميًا، وكذا توظيفه للمصطلحات التكنولوجية التي فرضها المصنع للأجهزة والاتصالات والبرمجة، بما يخدم الاستهلاك اليومي لهذه المصطلحات.
الخلاصة:
الديوان يدور حول دائرة التيه المفرغة من وجودية الإنسان، حيث يستعيد القارئ معه متاهات طفولته وتيه مراهقته وانكسارات أحلامه. يتذكر الأمثال الشعبية والعبارات التي كان قد سمعها، فيحس بنسماتها تتغلغل أكثر في أحاسيسه، ورائحتها تعيد إلى أنفاسه عبق الماضي، من مشاقر الأمومة، حتى الدفء الكوني المتجدد حياةً في استدامة الحياة ذاتها.
* تعز 9/1/2026




