
- د. عبدالعزيز علوان
بينما كانت ساعة الرحمن تسوق دقائها نحو بلوغ عقاربها الفراق الأبدي لهذه الحياة، جراء صراعها مع المرض الذي عاشته صراعًا وجوديًّا مؤلمًا، كان صوت الفنانة منى علي. في الضفة الموازية لهذا الفراق المتسارع، يحيي أعراسًا كثيرة بطول وعرض أفراح ساعة الرحمن ذَلْحين؛ وهي الساعة المليح وفق بعض المعتقدات الشعبية، لا سيما في القرى، والتي يُستحب فيها زفاف العروس إلى عريسها، بعيدًا عن أعين الحاسدين، حيث يكون الشياطين غافلين في هذه الساعة.
سنتان قضتهما منى علي. بين بيتها والمستشفى الجمهوري في تعز، حين طاب في جسدها مقام المرض، إذ لم تكن تغادر المشفى إلا وهي في طريق عودتها إليه.
مواقف لا تُنسى من محبيها ومعارفها، وإن افتقرت أحيانًا إلى باقات الورود، المصحوبة بنظرات الدعاء الجميل الذي يخفف بعض آلامها.
وفي الوقت الذي كانت فيه زيارات الأفراح تتبادل بهجتها في حارات المدن وقرى البلاد، غناءً ورقصًا لا حدود لأفراحه، المكللة بعقود الفل وباقات الياسمين،كانت منى علي تراقص اوجاعها في احدى غرف المشفى
لم يُصب المرض الذي استبد في جسد منى علي. مشاعرها وأحاسيسها بأي سوء، كما قال الدكتور عبد الرحمن الأزرقي، أحد أطباء المستشفى الذين أشرفوا على علاجها؛ بل كانت أكثر مرحًا وحيوية في خضم هذا الألم.
حين زارها الفنان أيوب طارش، رحبت به بمرح وفرح لا يوصفان، وهي تشدو بصوتها الذي كادت أصداؤه تشق جدران المستشفى:
رُح لك بَعِيد… منى ما عَدَّنيش لك
وهو أول عمل فني مشترك لهما.
كانت، أثناء رقودها في المشفى، تشدو بين حين وآخر ببعض أغاني التراث الشعبي:
تعز تعز خضراء والماء سكّاب
أو:
جبل صبر عالي على المدينة
يا من معه محبوب الله يعينه
وها نحن نرى معاناة من له محبوب في صبر، رغم وجود وسائل المواصلات، فما يزال جبل صبر عاليًا، حتى على الشمس، كما في بيت الفتيح الشعري:
جبل صبر عالي حتى على الشمس
والغادية تهمس بأذنه همس
اختطفت ساعة الرحمن منى علي. من بيتها، وهي تعد لحظات سفرها إلى القاهرة.
رحلت منى علي جسدًا أنهكه المرض، وما تزال ساعة الرحمن تزف بأنفاسها بشائر الأفراح وزغاريد الأعراس، التي تفرش الديوان الأعلي للحريوة، تعتلي بعد ان قالت خاطرك يابيت ابي.
لقد شاركتني منى علي. زفافي، وما تزال تشارك أبنائي، وستشارك أحفادي، كما ستشارك أعراس أجيال وأجيال في طول البلاد وعرضها.
صوتها كان ومايزال عابرا للحصار، متجذرا في تربة موروثنا كأداء شعبي، متجدد.
- تعز.




