- كتب: طاهر شمسان
في العلاقات الدولية هناك تفاصيل كثيرة تتكرر على نحو يومي وتحظى بالرصد والجمع والتبويب والتحليل، ولكن هناك نقاط تحول كبرى تتوقف أمامها الدول الكبيرة كثيرا. والتطور غير المسبوق في العلاقات بين الصين وإيران هو من هذا النوع.
محتوى الشراكة بين الصين وإيران:
بموجب هذه الشراكة سوف تضخ الصين إلى السوق الإيرانية استثمارات ضخمة تصل إلى حوالي 400 مليار دولار في كل القطاعات الحيوية من الطاقة إلى البنية التحتية إلى الاتصالات والموانئ، بالإضافة إلى التعاون الأمني والاستخباراتي والعسكري.
وفي المقابل ستمنح إيران الشركات الصينية امتيازات وستمد الصين بكل ما تحتاج إليه من البترول والغاز بأسعار تفضيلية لمدة خمسة وعشرين عاما.
ولكل ذلك صنفت هذه الشراكة على أنها تحالف استراتيجي من النوع الذي لا يهزم، لأن الصين لديها كل ما تحتاجه وتريده إيران، وهذه الأخيرة لديها كل ما تحتاجه وتريده الصين.
ما الذي تحتاجه إيران وتريده:
تريد إيران شراكة استراتيجية مع بلد يتمتع بالمزايا التالية:
1- غير خاضع للنفوذ الأمريكي.
2- عنده قدرات مالية هائلة جدا حتى ينقذها اقتصاديا بعد حصار طويل وسلسلة من العقوبات طالتها لمدة أربعين عاما مضت، وخصوصا في القطاعات الاستراتيجية ومنها قطاع التسليح.
3- يتمتع بقوة دبلوماسية كبيرة وواسعة التأثير.
والصين عندها كل هذه المزايا ومستعدة أن تفعل ذلك لإيران لأنها بحاجة شديدة إليها.
ما الذي تحتاجه الصين وتريده؟:
1- الاقتصاد الصيني كله تقريبا يقوم على استيراد الطاقة والمواد الخام من دول الشرق الأوسط وأفريقيا بدرجة أساسية.
2- كثير من المواد الخام التي هي عصب الاقتصاد الصيني يأتي من دول واقعة تحت النفوذ الأمريكي، ويصل إلى الصين عبر ممرات ملاحية خاضعة للنفوذ الأمريكي.
فعلى سبيل المثل 50% من احتياجات الصين من البترول يأتي من دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية، ويمر من الخليج العربي إلى خليج عمان ثم إلى المحيط الهندي، وأخير إلى بحر الصين الجنوبي وصولا إلى الموانئ الصينية. وكل هذه الممرات، شأنها شأن الممرات الرئيسية في العالم، خاضعة لنفوذ الأسطول الأمريكي، وإذا جدَّ الجد تستطيع أمريكا أن تخنق الاقتصاد الصيني، وبالتالي تخسر الصين أية مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبرغم أن الصين تبذل جهودا كبيرة لتطوير إمكاناتها كقوة بحرية لكنها مازالت بحاجة إلى سنوات طويلة كي تردم الفجوة الكبيرة الواقعة بين أسطولها والأسطول الأمريكي.
ولتجنب احتمال المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية تبحث الصين عن مصادر للطاقة بعيدا عن المعسكر الغربي، وقد وجدتها في روسيا وإيران.
أهمية إيران بالنسبة للصين:
1- تقع خارج نفوذ المعسكر الغربي.
2- هي ثاني أكبر بلد بعد روسيا من حيث احتياطات الغاز، ولديها احتياطات كبيرة جدا من البترول.
3- تستطيع أن تمد الصين بكل احتياجاتها من البترول والغاز لسنوات طويلة.
4- تستطيع أن ترتبط بالصين بممرات أرضية آمنة بعيدة عن الممرات الملاحية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كامل.
طريق الحرير (مبادرة الحزام والطريق):
طريق الحرير هو أهم مشروع استراتيجي يكفل للصين في حالة نجاحه أن تكون قوة عظمى. وهو عبارة عن شبكة طرق كبيرة جدا تربط الصين حتى هذه اللحظة ب (125) دولة من خلال ست مسارات رئيسية تربط الصين بباقي دول آسيا وأفريقيا وأوروبا.
إيران وطريق الحرير:
إيران تاريخيا، وفي الحاضر، هي أهم نقاط الارتكاز في كل مشروع الحزام والطريق لأن موقعها بالغ الأهمية من حيث أنه يربط الشرق بالغرب.
وتاريخيا كانت الإمبراطورية الصينية مهتمة جدا بعلاقات طيبة مع الإمبراطورية الفارسية التي مثلت في الماضي معبرا مهما للتجارة الصينية مع الإمبراطورية البيزنطية في الشرق ومع الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
وفي الحاضر تستطيع الصين أن تصل إلى إيران عبر دول آسيا الوسطى، ومن إيران تستطيع أن تصل إلى أوروبا عبر تركيا مثلما تستطيع أن تصل من إيران إلى منطقة الخليج والدول العربية وإلى الدول العربية في غرب الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر المتوسط. وجنوبا يمر هذا الطريق من الخليج العربي إلى خليج عدن والبحر الأحمر باتجاه مصر وكل دول أفريقيا.
إن موقع إيران وغناها بالبترول يزيد أهمية عندما نعرف أنها تتوسط أهم مركزين للطاقة التقليدية في العالم وهما:
1- الخليج العربي.
2- منطقة بحر قزوين في القوقاز.
تحديات التحالف الصيني الإيراني:
أي تحالف بهذا الحجم وهذا العمق من الطبيعي أن تواجهه تحديات كبيرة نذكر منها ما يلي:
1- للصين علاقات قوية ومصالح كبيرة مع خصوم إيران العرب (وبخاصة دول الخليج) ومع إسرائيل.
وفي المقابل تخشى إيران بحكم انكشافها التجاري والاستراتيجي على الصين أن تتحول الصين إلى أمريكا أخرى تمارس عليها ضغوطا لتجبرها على تقديم تنازلات لجيرانها العرب وإسرائيل.
2- تنظر الصين إلى الحضور الأمريكي العسكري والأمني في منطقة الخليج على أنه لصالحها من حيث أنه يضمن استقرار هذه المنطقة الملتهبة من العالم في الوقت الراهن ولسنوات قادمة ويمكن للأساطيل التجارية الصينية أن تأتي إلى المنطقة وتذهب منها بأمان دون أن تتكلف دولارا واحدا.
وفي المقابل تريد إيران أن تخرج الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط لتتسيدها هي.
وبسبب هذه التحديات سار الاتفاق الصيني الإيراني بتؤدة منذ العام 2016 إلى اليوم. وخلال هذه الفترة استطاعت الصين أن تقدم لإيران التطمينات التي تريدها.
3- وهناك تحدٍ ثالث تمثله الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة من زاوية النظر إليهم على أنهم أكبر المتضررين من الاتفاق الصيني الإيراني، ويتمثل هذا التحدي في أن تحاول أمريكا وحلفاؤها إغراء الصين بما يغنيها عن إيران أو إغراء إيران بما يغنيها عن الصين.
ولكن الاحتمال الأول غير وارد بالنظر إلى وجود إجماع أمريكي (ديمقراطي-جمهوري) يعتبر الصين الخطر الأكبر على الولايات المتحدة الأمريكية.
والاحتمال الثاني غير ممكن إلا إذا قام على تفاهمات أمريكية إيرانية تتضرر منها بالضرورة الدول الخليجية، وفي كل الأحوال هذه التفاهمات غير واردة لأن إيران لا تثق بالولايات المتحدة الأمريكية وتنظر إلى الصين على أنها شريك مهم جدا أي كانت سيناريوهات هذه الشراكة.



